وجهات نظر

د.فوزي علي العمروسي: الرجوع الي المازوت فضيلة

الأستاذ بمعهد بحوث البترول

إذا كان عدم استخدام الغازالطبيعي في إنتاج الكهرباء في المحطات المصرية سوف يكون سببا في إصلاح الاقتصاد المصري، وإذا منع تماما استخدام الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء للمصريين سوف يجعل الجنيه المصري يساوي خمس دولارات أمريكية.

فإنني أوصي شخصيا كاتب هذا المقال بان تدرس كل السبل لتحقيق ذلك بدلا من طرق الترشيد لاستهلاك الكهرباء، والتي تود الدولة اتخاذها، بل واتخذتها بالفعل لتوفر نسبة قد لا تكون في الواقع ممكن بها تخفيض مثمر من استهلاك الغاز الطبيعي، ومن الافضل أن نجد البديل 100% عن استخدام هذا الغاز في توليد الكهرباء، وذلك دعما لاقتصاد مصرنا الحبيبة، ويشرفني أن اعرض علي المسؤلين في الدولة كيف يتم ذلك في عدد من المقالات، وإليكم المقال الثاني في هذا الصدد.

المازوت الجميل ومشاكله الأجمل

عند تقطير الزيت البترولي الخام فى مصر، فإنه يعطى فى الغالب 50 % مقطرات خفيفة ومتوسطة و50 % مقطرات ثقيلة، ومن اهمها المازوت، ومنذ سنوات حرص المسؤولين على تصديره بأرخص الأسعار لنستبدله باستيراد السولار الذى نعانى من نقص انتاجه فى مصر منذ زمان بعيد، والسؤال هنا ماذا يفعل به المستوردين، إلا أنهم يقومون بتكسيره للحصول على مقطرات الجازولين والكيروسين والسولار، ويبيعونهم لنا بأسعار عالية بسبب القيمة المضافة، ولهذه الاسباب كان اهتمامنا بأبحاث المازوت المتنوعة لا نه يمثل نصف إنتاج مصر من البترول.

نعم المازوت نوع من الوقود يعيبه العديد من المشاكل منها: (1- ) عند تخزينه يكون رواسب نتيجة لتجمع بعض المواد الاسفلتية التي تتسم بقوة الالتصاق العالية مع بعضها البعض، بجانب أن تركيبه الكيميائي غاية في التعقيد، حيث يحتوي علي مركبات عالية الوزن الجزيئي وغير متجانسة ومرتفعة الكثافة منها الاليفاتية والاروماتية والاروماتية المتكاثفة ( Resins)، والمركبات الشمعية والكبريتية والمعدنية .

وهذه المركبات الغير متجانسة تجعل عملية استخدامه غاية في الصعوبة مما يتطلب تسخينه في مراحل تداوله ونقله.

2- مشكلة الاحتراق واهمها صعوبة ضخه خلال فتحات التذرية لهذا تعطي رشاشات المازوت قطرات ذات حجم كبير يصعب احتراقها احتراقا كاملا.

3- مشاكل ما بعد الاحتراق فى افران توليد الكهرباء عند” درجة الحرارة العالية”، أثناء تشغيل الأفران، وما بعد الاحتراق “عند درجات الحرارة المنخفضة”.

4- المواقد التى تعمل بالمازوت كوقود كان لزاما علينا ادخال بعض التعديلات الفنية عليها لتتناسب مع سمات هذا الوقود بشكل خاص، وقد تناولنا حل جميع هذه المشكلات عمليا، وفي العديد من الابحاث والبراءات.

ومن أهم هذه المشاكل تلك التى تحدث فى حالة استخدام المازوت كوقود فى محطات توليد الكهرباء وأهمية وجوب التغلب عليها

وحيث أن أسعار المازوت عالميا غير مرضية، وخاصة المازوت الذى ترتفع نسبة عناصرالفناديوم والكبريت فيه. ولطالما نحن فى أشد الحاجة إلى الكهرباء فى حيتنا اليومية، فانه من الواجب فى سياستنا الاقتصادية أن نستخدم المازوت لرخص سعره، ولوفرته كوقود للأفران فى محطات توليد الكهرباء، ونظرا لما يسببه هذا الوقود من مشاكل غاية فى الخطورة على أجزاء الفرن، وكذلك على كفاءته سواء فى المناطق شديدة السخونة او حتى المناطق الباردة بالفرن فكان لزاما علينا أن نجد سبيلا لحل هذه المشاكل، وهذا ما سوف نوضحه تفصيلا فيما يلي:

المشكلة فى منطقة اللهب ودرجات الحرارة العالية بالفرن

والحل عندما يحتوى المازوت المستخدم كوقود على أى نسب من النيكل والفناديوم والصوديوم،فإن عنصر الفناديوم يتفاعل مع الاكسجين فى منطقة لهب الاحتراق ليعطي خامس اكسيد الفناديوم، إضافة إلى أن مركبات الصوديوم، أيضا تتفكك لتعطى أكاسيد الصوديوم وهذين الاكسيدين يترسبا على الاسطح الخارجية لأنابيب البخار فى أعلى الفرن فيما بعد منطقة الاحتراق، وهى مواد شديدة التلاصق كما فى شكل (4) ، ويتم التفاعل بينهما لينتج مادة الصوديوم فنيديت Na2O.V2O4.5V2O5 625 oC والتى من خواصها أنها ذات درجة انصهار منخفضة (oC 625 ( وشديدة التلاصق بالأسطح المعدنية، وتسبب تأكل حاد فى اسطح انابيب البخار يتزايد كلما ارتفعت درجة حرارة الفرن، وينتهى بتأكل وثقب الأنابيب ليخرج منها البخار تحت ضغط 20 ضغط جوى، مما يؤدى الى اتلاف بعض مكونات الفرن وتوقفه عن العمل إلى أن يتم خفض درجة حرارة الفرن الى ان يبرد ويتم اصلاح التلف فى خط انابيب البخار، ويتطلب ذلك أيام عده يتوقف فيها امداد الكهرباء من هذا الفرن فى المحطة.

 

شكل4

 

 

 

 

شكل (4 ) يلاحظ تواجد تأكل مواسير البخار فى يسار الشكل من عدمه فى يمينه

ولمعالجة هذه المشكلة كما فعلنا فى محطات شركة إنتاج السكر والصناعات التكاملية المصرية بمدينة قوص  قمنا بتحضير عينات بالمعهد اضيف فيها اكسيد الماغنسيوم إلى المازوت ليتفاعل مع خامس اكسيد الفناديوم داخل الفرن ويكون مركب يعرف باسم ماغنسيوم فانيديت يتميز بان درجة انصهاره مرتفعة جدا (oC1190) وترابى هش يتصاعد مع عادم الاحتراق دون أن يحدث أى اضرار بخطوط أنابيب بخار الماء داخل الفرن بالمصنع.

د.فوزي العمروسي

( B  ) المشكلة فى المناطق ذات الحرارة المنخفضة عند نهايات الفرن والحل

معظم أنواع المازوت المستخدم كوقود يوجد به نسب عالية من الكبريت الذى يتفاعل مع أكسجين الهواء فى منطقة لهب الولاعات ويعطى أكاسيد الكبريت التى تنتهى جميعها  فى وفرة من اكسجين الهواء ووجود خامس أكسيد الفناديوم كعامل مساعد لتصبح ثالث اكسيد الكبريت الذى ينبعث مع غازات الاحتراق، ويتفاعل مع ما بها من بخار الماء الناتج من الاحتراق ليتحول الى بخار لحمض الكبريتيك ويخرج مع العادم الى المناطق الباردة للفرن، وعند نقطة الندى لحمض الكبريتيك (oC  110 ) يتكاثف الى سائل يعمل على تأكل الأجزاء المعدنية الموجودة فى نهاية الفرن الباردة كما فى شكل ( 5 ).

 

SO2  +  1/2 O2 +  H2O ————–  H2SO4   corrosive

 

شكل ( 5 )

شكل ( 5 ) يوضح التأكل الذى يحدث عند الاماكن الباردة بالفرن

ولحل هذه المشكلة تم استخدام نفس اضافة  الخطوة السابقة وهى اكسيد الماغنسيوم الذى يتفاعل مع ثالث اكسيد الكبريت ليعطي كبريتات الماغنسيوم التى لا تسبب اى تلف او تأكل لأجزاء الفرن ويوضح ذلك التفاعل الاتي  :

SO3  +  Mg O————————-MgSO4     Not corrosive                              

وكذلك تم استخدام المازوت في تشغيل الغلايات الموجودة في ملايين المصانع بمصر، وكان لزاما علينا أن نعالج مشاكله سواء في محطات الكهرباء أو في المصانع التي تستخدم الغلايات التي تعمل بالمازوت والمشاكل هنا قدمت حلولها حتي أيضا تمنع استخدام الغاز في هذه المصانع إمعانا لتوفير أكبر كم من الغاز الطبيعي من جميع المجالات، وقد قدمنا العديد من التجارب الميدانية بمصنع البوادي الموجود بمدينة برج العرب في محافظة الإسكندري،ة وذلك أضا لحل مشاكل استخدام المازوت لنجعله جيد الاحتراق ونوضح ذلك فيما يلي :

التجربة المرجعية التقليديه (  Blank Experiment  )  تمت هذه التجربة بدون أي تعديلات  على الغلاية أو استخدام أى إضافات مع الوقود المستخدم،  وفي هذه التجربه تم استخدام المازوت فقط  كوقود، وكذلك لم يتم أي تعديلات علي موقد الغلاية، وتم تسجيل كم الوقود المستهلك في إنتاج طن واحد من البخار لاستخدامه في الطاقه الازمه لتشغيل مصنع البوادي، واعتبرت كتجربه أولية في هذا البحث لتحديد الاستهلاك التقليدي من المازوت اللازم لانتاج طن واحد من بخار الماء.

( شكل 1)

تجربه تحسين الاحتراق ومعالجة المركبات المسببة لتأكل الغلايات

تتم فيها استخدام خزان أخر، وذلك لإضافة نوعين من العوامل المساعده الاول للتغلب علي مشكلة خامس اكسيد الفانديوم الموجود في المازوت ، والذي يساعد علي تحول ثاني اكسيد الكبريت الناتج عند احتراق الكبريت الموجود في المازوت بنسبه تصل الي 4 % لتتحول الي ثالث اكسيد الكبريت ثم حمض الكبرتيك الذي يؤدي الي تاكل الاجزاء البارده في الغلايات، وكذلك تم إضافة مادة تسمي ( Soltron )، وهي مادة تعمل علي تحسين احتراق المازوت، وتمت التجربه باستخدام الوقود مره من الخزان التقليدي، ومرة من خزان الاضافات كما في ( شكل 2 ) وبتعيين فرق الكم المتوفر من المازوت بمقارنة المازوت المستهلك من الحالتين في اإتاج طن من البخار بالغلاية، ووجد أن الانخفاض فى استهلاك الوقود وصل الي نسبة 6 % توفير.

شكل 2

تجربة بخار الماء وتقليل العادم

وتم فيها إجراء تعديلا فنيا على موقد الغلاية، وذلك بإدخال كم من بخار الماء الي مسار لهب الموقد داخل فرن الغلاية، وذلك بعمل ثقب في واجهة الغلايه وتم من خلاله توصيل ماسورة ليمكن عن طريقها ادخال بخار الماء الصادر من الغلاية نفسها بعد بدء تشغيلها الي منطقة وسط اللهب في داخل فرن الغلاية ليندمج بخار الماء مع الوقود المحترق في منطقة الاشتعال، وذلك عن طريق دائره يبينها ( شكل3) تتحكم في كم البخار المار وزمن دخوله عن طريق محابس وصمام يعرف ب ( l Solenoid Valve ) يبداء في توصيل البخار اتوماتيكيا بعد فتره من تشغيل الغلاية وتم استخدام بخار الماء ليختلط مع ذرات المازوت المشتعله في منطقة اللهب حيث تزيد درجة الحرارة عن 450 درجة مئوية، وفي هذه الحالة تحدث تفاعلات كيميائيه بين المواد الكربونيه التي كانت تخرج من مدخنة الفرن بشكل سيئ بيئيا على شكل هباب أسود ( شكل 4 ) وبين بخار الماء لينتج ما يعرف ب ( Water Gas Shift Reaction ) والذي توضحه المعادلات الاتية:

   (I) C + H2O  ——————–  CO +H2

   (II) CO  +  H2O —————-   CO2  +  H2

  (III) 2CO  +  O2————————-  CO2

                         

شكل

ويلاحظ من المعادلات السابقه ان الكربون الذي كان من الصعب احتراقه وذلك لسرعة خروجه من منطقة الاحتراق وكذلك لعدم توفر المركبات التي يمكن ان تساعد علي اكسدته مما جعلنا نعترف بان المازوت وقود غير كامل الاحتراق  بذلك امكن لنا بوجود بخار الماء في درجة الحرارة العاليه ان يتفاعل ليعطي ما يعرف بالغاز الازرق ( ( Blue gas المكون من اول اكسيد الكربون و الهيدروجين وهى غازات قابل للاحتراق وتعطي طاقه كبيره تضاف الي كم الطاقه الناتج من احتراق المازوت ومن ثم توفر استهلاك الوقود بنسبة 8 %  في هذه التجربه اضافة الي خروج غازات المدخنه خاليه تماما من ذرات الهباب الاسود الملوث للبيئة و الخطر علي الصحة العامه للعاملين بالمصنع.

تجربه المبادل الحراري: وحيث ان الغازات الصاعده في داخل مدخنه المصنع تصل درجة حرارتها الي كثر من 340 درجة مئوية  وكان ذلك يعني بالنسبة لنا فقد كبير للطاقه ،واستهلاك للمازوت دون طائل ومن ثم تم رفع مدخنه المصنع من فوق الغلايه وتم وضع ما يعرف بالمبادل الحراري قمنا بتصنيعه مباشرة علي الغلايه ثم بعد ذلك اعيد تركيب المدخنه فوق المبادل الحراري بهدف استرجاع جزء كبير من الطاقه المهدره مع الغازات المنبعثه من مدخنة  الغلايه و تم ذلك عن طريق السماح للهواء الذي يدخل الي موقد الغلايه عن طريق طلمبه الموقد الخاصه بسحب الهواء الازم لاحتراق وقود الغلاية ، ليمر داخل دهاليز المبادل وفي مسار خاص منفصل عن المسار الاخر الخاص بالعادم داخل المبادل ليتم انتقال الحراره الي الهواء النقي  من خلال الالواح المعدنية الداخلية للمبادل ،ولينتقل داخل مسار عباره عن ماسوه  معزوله حراريا لنقله  من المبادل  ليوصله الي موقد الغلايه في درجة حرارة بين 60 و 80  درجة مئوية وهذا ساعد علي حرق اكثر للمازوت حيث ان الهواء في هذه الدرجه يكون اكثر فاعليه  ونشاط عنه بالنسبه لاكسجين الهواء العادي الذي يدخل في درجة حرارة قد تصل الي 2 درجه مئويه او اقل في حالات برد الشتاء مما يقلل من فاعلية احتراق المازوت اللحظي في منطقة الاحتراق وقد ادي ذلك في نهاية التجربة الي توفر 9% تقريبا من استهلاك المازوت الازم لانتاج طن  واحد من البخار داخل المصنع .

تجربه تجميع التعديلات السابقة علي الغلايات

وفي هذه التجربه تم تطبيق جميع التعديلات السابقه التي درست كل منها علي حده لتصبح مجتمعه في تجربه واحده كما يبينها ( شكل 6 ) وكانت جملة التوفير في استهلاك الوقود في هذه التجربه الجامعه بين 19 – 20 % من جملة الوقود المستهلك وهذا يعني ان استهلاك مصنع البوادي بعد هذه التعديلات الفنيه و العلميه علي عدد 2 غلايه بالمصنع سوف يوفر علي المصنع قرابة المليونين جنيه سنويا بعد ان ارتفع سعر طن المازوت الي قرابة 3000 جنيه واذا طبق ذلك علي جميع غلايات مصانع مصر التي تستهلك حوالي 12 مليون طن من المازوت سنويا فاننا نوفر ارقام فلكيه من الاطنان من المازوت المستهلك وكذلك ارقام اكثر في سعر هذا المازوت المستهلكالتجربه الشامله: وفيها يتم متابعه كل الانبعاثات للغازات الملوثه للبيئة طوال هذه التجارب وكانت النتيجة  ان عادم المدخنه الخاصه بالغلايه موضوع الدراسه تغيرت تماما حيث قلت نسبة الغازات SOx ونسبة غازات NOx وكذلك نسبة المواد الكربونيه العالقه (  Particulates  ) ونسبة غاز CO  السام وكذلك الانبعاث الحراريThermal emission وهذا يعد كسبا اقتصاديا وبيئيا.

والجدير بالذكر هنا  ان مشروع تطوير الغلايات بالمصانع المصريه  موضوع البحث قد اشترك فيه نخبه من الباحثين من معهد بحوث البترول ومن كلية العلوم جامعة بنها ومن كلية العلوم جامعة الاسكندريه ويحق لنا بالشكر هنا الي قيادة مصنع البوادي التي قدمت لنا الكثير من العون في نجاح هذا المشروع ولكن لنا لوم علي المسئولين في وزارة الصناعه ومركز تطوير الصناعات لعدم الاستفاده من هذا العمل بعد  ان قدموا عظيم اعجابهم بمجمل هذا التطوير .

ولن تكون مصر دوله كربونية طالما فيها شعب وحكام ورجال بيئة وبحث علمي لهم عقول وعيون وقلوب مفتوحة لإتباع ما يدعم اقتصاد مصر بدلا من اللجواء بين ساعة واخري للاستدانة من البنك الدولي علي حساب اجيال لم تخلق بعد حمي الله مصروابنائها وحكامها والله ولى التوفيق.

 

 

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: