وجهات نظر

د. عبدالحكيم العلوي: صناعة الشحن البحري بين التخفيف والتكيف لمواجهة تغير المناخ.. التحديات والحلول

خبير الإنفاذ البيئي الدولي بمنظمة الجمارك العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة

تواجه صناعة الشحن البحري ضغوطًا شديدة لإزالة الكربون خلال العقود المقبلة، ويمثّل الشحن البحري ما يقرب من ربع انبعاثات قطاع النقل العالمي، إذ يطلق ما يقرب من مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، بحسب تقرير لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية.

وقد دعت المنظمة البحرية الدولية (IMO) إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 50% بحلول عام 2050، مقارنة بمستويات عام 2008، من أجل تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، كما قيّدت محتوى الكبريت في الوقود الذي تستخدمه السفن من 3.5% إلى 0.5% عام 2020.

تعهّدات إزالة الكربون

أظهرت صناعة الشحن والحكومات اهتمامًا بمشروعات إزالة الكربون، ففي عام 2018 أعلنت شركة “ميرسك سيلاند الدنماركية” أكبر شركة للنقل البحري في العالم ، عزمها خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 60% بحلول 2030، على أن تجعل عملياتها خالية من الكربون منتصف القرن.

كما تستثمر شركات الشحن الأوروبية العملاقة الأخرى ، مثل “شركة البحر المتوسط للشحن” في تقنية الشحن المحايدة للكربون، وفقا لما جاء بالتقرير.

وفي هذا الصدد، تعهّد الاتحاد الأوروبي في ديسمبر عام 2019 بتوسيع نظام تجارة الانبعاثات لديه، ليشمل الشحن، وكان مخططا أن يدخل هذا حيز التنفيذ بحلول 2022.

السياسة المناخية في أوروبا تواجه خطر تسرب الكربون

ومع ذلك، على الرغم من اهتمام الشركات والحكومات بإزالة الكربون، فإن الآفاق المباشرة لصناعة الشحن العالمية ليست واضحة، مع حقيقة أن الشحن الدولي لا يستخدم حاليًا أي أنواع من الوقود منخفض الكربون.

ولتحقيق أهداف المنظمة البحرية الدولية، يجب أن تدخل أول سفن محايدة للكربون الأسطول العالمي بحلول عام 2030، لذلك بات من الضروري استكشاف بدائل وقود منخفضة الكربون في الوقت الحالي، وفقا لما جاء بالتقرير.

التحديات

مع توجّه المنظمة البحرية الدولية نحو خفض كثافة انبعاثات الكربون في صناعة الشحن بنسبة 40% بحلول عام 2030، برزت على السطح مخاوف من حدوث نتائج عكسية.

ومن أجل تحقيق هدف خفض كثافة الكربون في الصناعة بحلول نهاية هذا العقد، مقارنة مع مستويات عام 2008، اقترحت المنظمة البحرية الدولية إجراءات تقنية صارمة قد يجري إقرارها العام الجاري، على أن تدخل حيز التنفيذ عام 2023.

إبطاء سرعة السفن

وفقا لتقرير نشرته شركة أبحاث الطاقة ريستاد إنرجي، من المرجح أن تشمل هذه الإجراءات الجديدة على السرعة البطيئة، ما يعني إبطاء السرعة القصوى للسفن في محاولة لخفض الانبعاثات بقطاع النقل البحري.

ومن شأن خطوة كهذه – رغم النوايا الحسنة – أن تأتي بنتائج عكسية حال تطبيقها على الأسطول العالمي للسفن الناقلة للغاز الطبيعي المسال، إذ ستكون النتيجة الصافية للكوكب سلبية.

حيث أن إبطاء سرعة ناقلات الغاز المسال سيؤدي للمزيد من انبعاثات الكربون، نتيجة محاولة بعض الدول تعويض نقص وارادات الغاز – الناتج عن تقليل سرعة السفن – بالفحم، وهو الوقود الأحفوري الضار بالبيئة، وعندها ستكون محاولات تقليل انبعاثات قطاع النقل البحري سلبية.

ووفقًا لما ذكرته ريستاد إنرجي في تقريرها، فإن الخيار الأكثر قابلية للتطبيق والأرخص بالنسبة للسفن البخارية أو سفن الديزل بطيئة السرعة، هو الحدّ من السرعة القصوى لتلك السفن إلى 15 عقدة.

ومن بين البدائل الأخرى الممكنة لكنها ستكون أكثر تكلفة بكثير، هي تخريد السفن واستبدالها أو تعديلها، كما يشير التقرير.

ويمثّل خفض سرعة السفن عقبة كبيرة أمام صناعة شحن الغاز المسال، إذ إن ما يقرب من نصف الأسطول الحالي – المكون من 600 سفينة – إمّا سفن بخارية أو تعمل بالديزل.

وتُظهر البيانات التجريبية أن ناقلة الغاز الطبيعي المسال تتحرك بسرعة فوق 15 عقدة في نحو 50% من الوقت المستغرق لنقل الغاز، طبقًا لما جاء بتقرير ريستاد إنرجي.

آثار جانبية

ورغم أن وضع حدّ أقصى لسرعة السفن سيخفض مستويات الانبعاثات بقطاع النقل البحري عالميًا، فإنه سيؤدي إلى عجز سنوي نسبته 3% في المتوسط لتلبية الطلب على الغاز الطبيعي المسال، من عام 2023 حتى 2030.

كما أشار التقرير إلى أن تقليص سرعة السفن سيؤثر سلبًا في عمليات التسليم إلى آسيا – أكبر مستهلك للغاز الطبيعي المسال في العالم.

وأظهر تحليل ريستاد إنرجي، أنه حال اعتماد اقتراح المنظمة البحرية الدولية فإن هذا من شأنه أن يحرم آسيا من 9 مليارات متر مكعب على الأقلّ من الغاز الطبيعي المسال لـ 3 أعوام خلال المدة الزمنية من 2023 حتى 2025، ونحو 13 مليار متر مكعب خلال 2026 حتى 2030.

وفورات وهمية

ويري التقرير أن وفورات الانبعاثات المتراكمة الصادرة من سفن الغاز الطبيعي المسال خلال المدة من 2023 وحتى 2025، ستصل لـ 10 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو أقلّ بكثير من 26 مليون طن انبعاثات ستنتج حال استبدال واردات الغاز المسال المفقود بالفحم.

وبالنسبة للمدة من 2026 حتى 2030، فإن وفورات انبعاثات أسطول سفن الغاز الطبيعي المسال ستبلغ 15 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يزال أقلّ مقارنة مع 38 مليون طن من انبعاثات الكربون إضافية حال زيادة حرق الفحم لتعويض أحجام الغاز المسال المفقودة.

ومن جهته، يرى نائب رئيس أبحاث الطاقة في ريستاد إنرجي، أودموند فور، أنه لحلّ تلك المعضلة وتحقيق هدف المنظمة البحرية لتقليل انبعاثات السفن وجعله ذا مغزى، لا بدّ من استبدال الأحجام الكبيرة المفقودة من الغاز المسال عبر زيادة سعة الطاقة المتجددة في آسيا.

تحذير بشأن الأسعار

حذّر التقرير كذلك من أن تنفيذ ذلك المقترح سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار اليومية للسفن الناقلة للغاز المسال، ومن ثم رفع أسعار توصيل الغاز الطبيعي والمساهمة في زيادة استهلاك الفحم، بسبب ارتفاع التكلفة.

وتوقّع التقرير أن يشكّل الطلب الآسيوي نحو 50% من وارادات الغاز المسال خلال 2030، وأن تستحوذ آسيا على 75% من السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، وعندها سيكون لتدابير المنظمة البحرية الدولية تأثير كبير في سوق الشحن.

الهيدروجين كأبرز الحلول

يقود الهيدروجين التجارب بين بدائل الوقود النظيف اللازمة لخفض الانبعاثات الكربونية في أسطول الشحن البحري، مع حقيقة أنه الأكثر بروزًا حتى الآن.

وبحسب دراسة أجراها “المنتدى البحري العالمي” في مارس العام الماضي، فإن من بين 106 مشروعات تدرس الوصول للحياد الكربوني في الشحن البحري، ركزت نصف هذه المبادرات على الهيدروجين بوصفه مصدر وقود منخفض الكربون.

ويتميّز الهيدروجين عن بدائل الوقود الأخرى في السهولة النسبية لتعديل السفن الحالية، لتتماشى مع استخدام خلايا وقود الهيدروجين، طبقًا لما ذكره التقرير.

وتشير الدراسة إلى أنه يمكن أن يحل الهيدروجين بوصفه وقودًا نظيفًا لنحو 43% من الرحلات البحرية بين الولايات المتحدة والصين دون أي تغييرات في السفن، و99% من الرحلات مع تغييرات طفيفة في سعة الوقود أو التشغيل.

وحتى الآن تناولت التجارب العبَّارات التي تعمل بالهيدروجين وسفن الشحن الأصغر في الولايات المتحدة وبلجيكا وفرنسا والنرويج، كما تخطّط شركة “فيروفيال دي ترانسبورت”، لإبحار أول سفينة نقل بضائع تجارية تعمل بالهيدروجين هذا العام.

كيف يعمل الهيدوجين؟

رغم أن الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون، فإن النقي منه غير شائع نسبيًا على الأرض، ويوجد عادةً في الماء وكذلك الميثان.

ونتيجة لذلك، ينبعث من إنتاج الهيدروجين بالطرق التقليدية 830 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم سنويًا، أي أكثر من إجمالي انبعاثات الكربون في ألمانيا عام 2017.

وأمام ذلك، يتجه العالم لإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون في المستقبل من خلال التحليل الكهربائي، ما يؤدّي إلى عدم إطلاق أي انبعاثات كربونية تقريبًا.

ينقسم الهيدروجين عمومًا إلى 3 أنواع مختلفة، اعتمادًا على كثافة الكربون في عملية الإنتاج:

أولًا: الهيدروجين الرمادي

المنتج عبر الوقود الأحفوري، وهو الأكثر شيوعًا، إذ إن 95% من الـ 70 مليون طن متري الهيدروجين المنتج سنويًا يكون من النسخة رمادية اللون، مع حقيقة أن 70% منه يُنتج من الغاز الطبيعي (الميثان في الغالب).

وينبعث من إنتاج كيلوجرام من الهيدروجين الرمادي نحو 10 كيلوجرامات من ثاني أكسيد الكربون، طبقًا للتقرير.

ثانيًا: الهيدروجين الأزرق

يُنتج – أيضًا – من الوقود الأحفوري، لكن باستخدام تقنية احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، ما يساعد في خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عنه.

ويطلق الهيدروجين الأزرق ما يتراوح بين 2 و5 كيلوجرامات من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوجرام من الهيدروجين المنتج.

ثالثًا: الهيدروجين الأخضر

الذي يُنتج عن طريق التحليل الكهربائي، ويعمل على فصل مكونات الماء إلى هيدروجين وأكسجين باستخدام الكهرباء المُولدة من مصادر الطاقة المتجددة.

ونظرًا إلى أن التحليل الكهربائي لا يعطي ثاني أكسيد الكربون بوصفه منتجًا ثانويًا، فإن الهيدروجين الأخضر هو الشكل الوحيد الذي تُعدّ عملية إنتاجه خالية من الكربون تقريبًا، لكن تكاليف الإنتاج أعلى بكثير من الهيدروجين الأزرق أو الرمادي.

وبحسب التقرير، يوفّر الهيدروجين الناتج عن التحليل الكهربائي – باستخدام الطاقة المتجددة – مصدر الوقود الوحيد المستدام والمنتج بكميات كبيرة لصناعة الشحن.

وبمجرد إنتاج غاز الهيدروجين، يمكن تخزينه ونقله في خزانات الوقود، لكن يجب ضغطه وتبريده بشكل كبير، لأنه يحتوي على كثافة طاقة منخفضة جدًا، وفقًا للتقرير.

إيجابيات الهيدروجين لصناعة الشحن

من المتوقع أن تنمو سوق الهيدروجين بشكل كبير في السنوات المقبلة، مع توقعات زيادة الطلب على الطاقة النظيفة ومساعي الشركات الخاصة والبلدان لتدشين مشروعات توسيع الطاقة الإنتاجية.

ويمكن تخزين الهيدروجين بكميات كبيرة لمدد طويلة من الزمن، ما يجعله مفيدًا لصناعة الشحن، وكذلك النقل في القطاعات العامة والصناعية والطاقة، بحسب مركز الدراسات الإستراتيجية.

ومن أجل تشغيل السفن، يجب تحميل الهيدروجين في خلايا الوقود، على أن تُحوّل طاقة الهيدروجين إلى كهرباء وطاقة حرارية، التي تعمل على تشغيل آلية دفع السفينة.

ويوفّر الهيدروجين الأزرق والأخضر المجال أمام صناعة الشحن لتقليل انبعاثات غازات الدفيئة بشكل كبير، بالإضافة إلى ذلك، فإن خلايا وقود الهيدروجين هادئة نسبيًا، ما يحدّ من التلوث الضوضائي، كما أنها لا تطلق سوى بخار الماء والأكسجين بوصفها منتجات ثانوية.

تحديات الهيدروجين لصناعة الشحن

من المعروف أن الهيدروجين قابل للاشتعال للغاية، وله نطاق اشتعال أكبر من أنواع الوقود التقليدية الأخرى، ومع ذلك هناك إجراءات أمان يمكن أن تخفّف من هذا الخطر في أثناء التخزين والنقل واستخدامه وقودًا.

كما أن الهيدروجين – حتى في شكله السائل – أقل كثافة في الطاقة من وقود السفن، وهو ما يؤثّر على الكفاءة وتكلفة الفرصة البديلة للحمولة المفقودة، وفقًا للتقرير.

ورغم أن الهيدروجين الأخضر يقدّم حلًا مستدامًا للحد من انبعاثات غازات الدفيئة على نطاق واسع، فإنه أكثر تكلفة بنحو 4 مرات من الهيدروجين الرمادي، الذي ينافس الوقود التقليدي من ناحية التكلفة، بحسب التقرير.

آفاق الهيدروجين

تتوقّع دراسة أُجريت عام 2020 من قِبل “المجلس الدولي للنقل النظيف” احتمالية انخفاض تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر من الكهرباء عبر مصادر الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى النصف بحلول عام 2050 مع حوافز مالية لتعزيز البحث والتطوير.

كما أن تعزيز تسعير الكربون من شأنه أن يجعل الهيدروجين الأزرق منافسًا من ناحية التكلفة للهيدروجين الرمادي، بحسب التقرير.

وفي هذا الصدد، تتضمن خطة المناخ التي وضعها الرئيس الأميركي، جو بايدن، وعدًا بجعل سعر الهيدروجين الخالي من الكربون منافسًا للغاز الصخري.

 

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: