وجهات نظر

د.طارق قابيل: التحرير الجينومي والتعديلات الوراثية حلول سحرية للتصدي للتغيرات المناخية

كاتب ومترجم- عضو هيئة التدريس بكلية العلوم- جامعة القاهرة

في سعيها إلى جعل الزراعة والتدجين أكثر مراعاة للبيئة، تحاول العديد من الدول التشجيع على التحول إلى الطريقة العضوية في تربية الحيوانات وزرع المحاصيل.

غير أن إدخال تحسينات على تقنيات الزراعة والتدجين لمواجهة التحديين المتلازمين المتمثلين في تغير المناخ واجتثاث الغابات سيتطلب الاستفادة من كل أداة متاحة.

ونظرا لأن الحلول “الطبيعية” وحدها لن تكون كافية، ففي المقابل، سيتعين على الدول أن تتبنى تقنيات العلم الحديث، ومن بينها تقنيات التحرير الجينومي الحديثة.

والتحرير الجينومي هو مجموعة من تقنيات التعديل الجيني يمكنها “إعادة كتابة المادة الوراثية، وتنقيحها وتعديل فقراتها” لأي كائن حي من النبات والحيوان والبكتيريا والخمائر وحتى الإنسان.

وتعتبر هذه التقنية أكثر دقة بكثير من التقنيات السابقة للهندسة الوراثية حيث كانت التعديلات في أجزاء كبيرة مبنية على الحظ.

المقص الجزيئي الحيوي وتقنيات التحرير الجينومي

يعد فك تسلسل الحمض النووي للكائن الحي أو لخلية واحدة منه، وتعديله ومراقبة تأثير هذا التغيير على الكائن الحي من المناهج الشائعة في علم الأحياء الحديث، وجاءت فكرة التحرير الجيني بعد اهتمام كثيف باستخدام أدوات “كريسبر” في تعديل صفات الأجنة البشرية.

وبالطبع لم يقتصر دور التقنية على الإنسان، فقد استخدم العلماء التقنية الجديدة في التعديل الوراثي للناموس وذبابة الفاكهة كما استطاع العلماء ـ من خلال الجمع بين تقنية “كريسبر”، وإحدى تقنيات علم الأحياء الجزيئي، تُسَمَّى تقنية “الدفع الجيني”، زيادة كفاءة نقل هذه التعديلات إلى النسل بشكل كبير.

وبمجرد إجراء هذه التغيرات الجينية؛ فهي تنتشر بذاتها، وإذا خرجَت من المعمل؛ فسينتشر تأثيرها في كل جيل جديد. اعتمَد أول تطبيق لتقنية التحرير الجيني في الإنسان منهجًا معمليًّا كاملا.

كانت تقنية تحرير الجينوم رائدةً في التسعينيات، قبل ظهور طرق تحرير الجينات الحالية الشائعة القائمة على النوكلياز، ومع ذلك، كان استخدامها محدودًا بسبب انخفاض كفاءة التحرير.

وتم تطوير أربع عائلات من إنزيمات النيكلياز المعدلة لأجل هذه التقنية وهي نيكلياز أصابع الزنك، والنوكليازت المستجيبة الشبيهة بمنشط النسخ أو “التالينز”، التكرارات القصيرة المتناوبة المجمعة والمتباعدة بانتظام أو كريسبر والميغانيكلياز، وتعتبر هذه الإنزيمات كمقصات حيوية جزيئية لها الدور الأساسي في نجاح تجارب التحرير الجيني حتى على الإنسان.

تقنية المقص الجيني ومكافحة التغير المناخي

أهم غايات التحرير الجيني هي علاج الأمراض المستعصية على الطب الحديث كالإيدز والتهاب الكبد الفيروسي والبتا تالاسيميا، ولكن في المقابل يمكن لهذه التقنية أن تساعد البشر في إزالة الكربون عن طريق صنع محاصيل قادرة على الازدهار في الأحوال الجوية السيئة، مقلصة الحاجة إلى مساحات إضافية من الأراضي الزراعية.

على سبيل المثال، يستخدم علماء في بلجيكا مثلاً “كريسبر” لتطوير نوع جديد من الذرة يمكنه تحمل إجهاد الحرارة والجفاف. وفي الوقت نفسه، يصمم علماء أميركيون نوعاً من فول الصويا يقدر على الصمود أمام الجفاف والمستويات العالية من الملوحة، وصنفاً من الذرة لا يتأثر بظروف القحط.

كذلك يبتكرون محاصيل من الحبوب تمتص النيتروجين من التربة بشكل أفضل، ما من شأنه أن يحد من الانبعاثات والتلوث الناتجين من الأسمدة.

وفي الحقيقة، يتفوق التعديل الجيني على التحرير الجيني في إنتاج أغذية مقاومة للآفات والأمراض، ما يزيد الغلال ويسمح بإنتاج كميات أكبر من الغذاء على مساحة أقل من الأراضي، ويحد من تدمير الغابات.

مثلاً، أدى استخدام المحاصيل “بي تي” المقاومة للحشرات والمعدلة وراثياً بعدما أضيفت إليها بروتينات من بكتيريا قاتلة للآفات تسمى “العصوية التورنجية”(Bacillus thuringiensis) إلى تحقيق زيادة في المحاصيل بمعدل 25% على مستوى العالم.

كذلك يتميز التعديل الجيني بكونه أكثر فاعلية مقارنة مع التحرير الجيني في إنتاج محاصيل مقاومة لمبيدات الأعشاب، ما يعزز مكافحة الأعشاب الضارة ويعود بغلة أكبر.

أضف إلى ذلك أن النباتات المعدلة وراثياً القادرة على مقاومة الحشرات وتحمل مبيدات الأعشاب قد قلصت من استخدام الجرارات الزراعية في رش المزروعات بالمبيدات وحراثة الأراضي، ما أسفر عن تراجع كبير في انبعاثات غازات الدفيئة السنوية.

بل إن الحد من استخدام تلك الآلات سنوياً يعادل التوقف عن استعمال 1.6 مليون سيارة، وهكذا تفضي تكنولوجيا تحرير الجينات إلى تراجع في مستويات انبعاثات الكربون. عليه، يبدو جلياً أن على الدول ألا تترك فرصة تعزيز المحاصيل باستخدام التقنيات الحديثة مرهونة بـ”كريسبر” من دون غيرها.

تقنية غير متاحة للجميع

بيد أن إطلاق العنان لإمكانات الهندسة الوراثية يتطلب أكثر من مجرد رأي عام مؤيد ورضا من المجموعات البيئية.

وفي سبيل الحصول على مجموعة واسعة من المنتجات المحررة بتقنية “المقص الجيني” التي تتصدى لتغير المناخ وتجذب المستهلكين، لا بد من أن تتاح هذه التكنولوجيا أكثر وعلى نحو أفضل أمام المطورين والدول.

الحقيقة أن التقنية غير متاحة للجميع، حيث أن المنتجات المحررة جينياً بتقنية “كريسبر” تندرج تحت ما يربو على ستة آلاف براءة اختراع في الولايات المتحدة وحدها، مع تقديم 200 براءة اختراع أخرى شهرياً.

ووفق هذا الهيكل التنظيمي المعقد، ربما يضطر المطور إلى الحصول على براءات اختراع مختلفة من أجل تسويق منتج واحد. لذا فإنه من دون إصلاح هذا النظام فإنه يحول دون إحراز أي تطور في المجال.

بناء على ما تقدم، حري بالدول المتقدمة أن تغير قوانين الملكية الفكرية الخاصة بها. ولكن حتى لو أنها امتنعت عن ذلك، في مقدور الجهات الفاعلة الخاصة أن تتخذ خطوات معينة تجعل من تعديل الجينات أكثر يسراً.

أما الحائزون على تلك الامتيازات الخاصة فعليهم أن يحرصوا أيضاً على أن تكون اختراعاتهم ميسورة التكلفة بالنسبة إلى الجهات المطورة الصغيرة والبلاد الفقيرة التي لا تملك المال الكافي لدفع الرسوم الضخمة للحصول على التراخيص.

ويمكنها تحقيق ذلك عبر عقد اتفاقيات تقاسم حقوق براءات الاختراع، وتوحيد الأخيرة، وإقرار شفافية الأسعار، التي من شأنها أن تقطع شوطاً طويلاً نحو السماح لمجموعة متنوعة من الشركات بتسويق المحاصيل المعدلة جينياً بتقنية “كريسبر”.

وعلى سبيل المثال، ، تعهدت جامعة ومركز بحوث “واغنينغن” في هولندا أخيراً بترخيص براءات اختراع “كريسبر ” الخاصة بها مجاناً للمنظمات غير الربحية التي تستخدم هذه التكنولوجيا في تطبيقات غير تجارية، في خطوة نتمنى أن تحذو الجهات الأخرى المعنية بمنح براءات الاختراع حذوها.

وأخيراً، يتعين على الهيئات التنظيمية أن ترفع من مستوى الشفافية في عملياتها المتعلقة بصنع القرارات الخاصة بتقنية “كريسبر”، وذلك عبر مطالبة الشركات الزراعية بتقديم النوع نفسه من المعلومات حول المحاصيل المحررة وراثياً المعفاة من اللوائح التنظيمية الخاصة بالكائنات المحررة وراثياً كما تفعل بالنسبة إلى المحاصيل الخاضعة لقواعد الكائنات المعدلة وراثياً.

أما كسب التكنولوجيا المزيد من ثقة المستهلك وخفض الشكوك التي تعتري الناس بشأنها، فيستلزم من الجهات المطورة أيضاً أن تقدم تقييمات بشأن منتجاتها تتطرق لنقاط أبعد من السلامة وتضع في متناول المستهلكين دليلاً على الفوائد التي تعود بها تلك المنتجات على البيئة.

وتشير استراتيجية الاتحاد الأوروبي “من المنتج إلى المستهلك” إلى أنه في بلاد عدة، ما زال المسؤولون والناس يعارضون عموماً استخدام التكنولوجيا الحيوية الحديثة لجعل الزراعة أكثر استدامة. لذا، فإن مكافحة تغير المناخ وتعزيز قدرة الزراعة على الصمود تتطلبان تغييراً في هذه الذهنية.

على الشركات والهيئات التنظيمية أن تتخذ سريعاً ما يلزم من تدابير بغية منع المخاوف غير المبررة من وجود تقنية “كريسبر” من أن تترسخ؛ ذلك أنه كما تؤشر المعارضة الراسخة للكائنات المعدلة وراثياً، ما إن يسود انعدام في الثقة تجاه تقنية أو طريقة جديدة يصير من الصعب جذب الناس إليها.

لذا، حري بالعالم ألا يسمح لدينامية مماثلة بأن تثني “كريسبر” عن المساعدة في صد أسوأ سيناريوهات المناخ.

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: