وجهات نظر

د. طارق قابيل: آثار مأساوية جديدة للاحتباس الحراري

أكاديمي، كاتب، ومترجم، ومحرر علمي، عضو هيئة التدريس -كلية العلوم -جامعة القاهرة

يؤثر على سرعة دوران الأرض،ويزيد من احتمالات الجفاف، وقد يؤدي إلى انقراض الدب القطبي

قد أصبح جليًّا أن البشرية هي المسؤولة عن معظم ارتفاع درجات الحرارة في القرن الماضي بتسببها في إطلاق غازاتٍ تحبسُ الحرارة، وهي التي يشار إليها في العادة بغازات الدفيئة أو الاحتباس الحراري لإمداد حياتنا الحديثة بالطاقة.

ونحن نقوم بذلك من خلال حرق الوقود الأحفوري، والزراعة، واستخدام الأراضي، وغير ذلك من النشاطات التي تدفع لحدوث التغير المناخي.

والاحتباس الحراري هو ازدياد درجة الحرارة السطحية المتوسطة في العالم مع زيادة كمية ثاني أكسيد الكربون، وغاز الميثان، وبعض الغازات الأخرى في الجو.

هذه الغازات تسمى بالغازات الدفيئة لأنها تساهم في تدفئة جو الأرض السطحي، وهي الظاهرة التي تعرف باسم الاحتباس الحراري.

ولوحظت الزيادة في متوسط درجة حرارة الهواء منذ منتصف القرن العشرين، مع استمرارها المتصاعد، وقد انتهت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية إلى أن غازات الدفيئة الناتجة عن الممارسات البشرية هي المسؤولة عن معظم ارتفاع درجة الحرارة الملاحظة منذ منتصف القرن العشرين، في حين أن الظواهر الطبيعية، مثل الضياء الشمسي والبراكين، لها تأثير احترار صغير منذ عصور قبل الصناعة حتى عام 1950 وتأثير تبريد صغير بعد ذلك.

إن غازات الدفيئة هي في أعلى مستوياتها من أي وقت مضى على مدار الأعوام الـ 800 ألف الأخيرة.

ويعتبر الارتفاع السريع لدرجة الحرارة هذا مشكلةً لأنه يغيّر مناخنا بمعدلٍ سريعٍ جدًّا بالنسبة للكائنات الحية التي تعجز عن التكيّف معه.

لا يتعلق التغير المناخي فقط بدرجات الحرارة المرتفعة، بل يشمل أيضًا أحداث الطقس الشديدة، وارتفاع مستويات البحار، وتغير تعداد كائنات الحياة البرية، ومواطن الحيوان والنبات الطبيعية، وطيفًا من التأثيرات الأخرى.

يعلم العلماء والباحثون أن زيادة درجات الحرارة العالمية سيؤدي إلى ارتفاع منسوب سطح البحر، وتغير كمية ونمط هطولات الأمطار، من المحتمل أيضا توسيع الصحاري المدارية.

ومن المتوقع استمرار انحسار الأنهار الجليدية، والأراضي دائمة التجلد، والبحر المتجمد، مع تأثر منطقة القطب الشمالي بصورة خاصة.

والآثار المحتملة الأخرى تشمل انكماش غابات الأمازون المطيرة، والغابات الشمالية، وزيادة حدة الأحداث المناخية المتطرفة، وانقراض الأنواع، والتغييرات في المحاصيل الزراعية.

وهناك إجماعًا علميًّا طاغيًا على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض هو من صنع الإنسان في الغالب: إذْ أن 97% من علماء المناخ توصلوا إلى هذا الاستنتاج.

إن أحد أكبر المسبّبات إلى حد بعيد هو حرق الوقود الأحفوري – أي الفحم والغاز والنفط – وهو ما زاد تركيز غازات الدفيئة – مثل ثاني أوكسيد الكربون – في غلاف أرضنا الجوي.

وهذا النشاط، المقرون بأنشطة أخرى مثل تمهيد الأراضي للزراعة، يسبّب ارتفاع متوسط درجة حرارة كوكبنا. وفي واقع الأمر، فإن العلماء متيقّنين من الصلة بين غازات الدفيئة وارتفاع درجات الحرارة في كوكب الأرض.

دأب المجتمع العلمي على جمع ودراسة البيانات بشأن هذا طيلة عقود. وقد بدأت التحذيرات من الاحتباس الحراري تتصدر العناوين منذ أواخر الثمانينيات.

وفي عام 1992، وقع 165 بلدًا معاهدةً دولية، هياتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ”.

وقد عقدت تلك البلدان اجتماعاتٍ سنويةً منذ ذلك الحين (باسم “مؤتمر الأطراف”)، بغية تطوير أهدافٍ وأساليبَ للحد من التغير المناخي، وكذلك التكيّف مع آثاره الماثلة للعيان فعلاً.

ولايزال النقاش السياسي والشعبي يبحث عن الاستجابة الملائمة لظاهرة الاحترار العالمي.

الخيارات المتاحة هي التخفيف من الانبعاثات؛ التأقلم للحد من الأضرار الناجمة عن ارتفاع الحرارة واستخدام هندسة المناخ لإبطال الاحترار العالمي.

وقعت معظم الحكومات الوطنية وصادقت على اتفاقية كيوتو الرامية إلى الحد من انبعاثات غازات الدفيئة.

ومن الحلول المقترحة التقليل من استعمال وسائل النقل وغيره من كل ما يسبب انبعاث الغازات السامة.

باتت آثار التغير المناخي محسوسةً الآن، غير أنها ستزدادُ سوءًا. فقد بلغ الاحتباس الحراري للأرض نحو درجة مئوية واحدة فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

فكل نصف درجة (أو حتى أقل من ذلك) من الاحتباس الحراري للأرض لها أهميتها.

ومن الأهمية بمكان أن نضع في حسباننا أنه لا توجد قائمة واحدة بآثار التغير المناخي يمكن أن تكون شاملة.

فمن المرجح جدًّا أن موجات ارتفاع الحرارة سوف تحصل على نحوٍ أكثر تكرّرًا وستستمر لفتره أطول، وتصبح وقائع هَطـْلِ الأمطار الغزيرة أكثر شدةً وتواترًا في الكثير من الأنحاء.

كما ستظل المحيطات تزداد حرارةً وتـَتَحمّض، وسيستمر مستوى البحر العالمي الوسطي بالارتفاع.

وكل هذا سيكون له، وقد بدأ يكون له بالفعل، تأثير مدمّر على حياه البشر.

ومؤخرا، أظهرت العديد من الدراسات الحديثة تأثيرات جديدة مأساوية للاحتباس الحراري، مثل أنه يؤثر على سرعة دوران الأرض، ويزيد من احتمالات الجفاف، وقد يؤدي إلى انقراض الدب القطبي في المستقبل القريب.

الاحتباس الحراري يؤثر على طول اليوم وعلى سرعة دوران الأرض

اكتشف العلماء البريطانيون نتيجة مفاجئة وغير متوقعة تماما، فلقد اتضح لهم أن الاحتباس الحراري لا يؤثر على الطقس والأمطار والجفاف فحسب بل على طول اليوم وعلى سرعة دوران الأرض.

ويؤدي الاحتباس الحراري إلى إبطاء دوران الأرض، ما يسبب إطالة اليوم الأرضي. ويعود سبب ذلك إلى شدة الرياح الناجمة عنه.

وقد حقق هذا الاكتشاف البروفيسور آدم سكيف من جامعة إكستر في دراسة نشرت في مجلة”نيتشر جيوساينس” العلمية (Nature Geoscience).

وقد أثبت سكاييف وزملاؤه بشكل مقنع العلاقة بين الجيوديسيا (قياسات دقيقة لشكل كوكبنا وحجمه وموقعه بالإضافة إلى الجاذبية) والتنبؤات المناخية.

وبسبب الاحتباس الحراري، تتغير سرعة الرياح واتجاهها، وكذلك مسارات الأعاصير والأعاصير المضادة.

وهذه حقيقة معترف بها وهي أن الرياح تزداد قوة والجو ككل يتحرك بشكل أسرع، وبالتالي يبطئ دوران الأرض حول محورها قليلا. ونتيجة لذلك، أصبحت الأيام الأرضية أطول.

وبالفعل يختلف طول اليوم قليلا بفرق أجزاء من الثانية فقط. لكن مثل هذه التغيرات مهمة على سبيل المثال، بالنسبة لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) والأغراض الأخرى التي تكون فيها القياسات الدقيقة ضرورية.

وقد سمح النموذج الذي أعده العلماء بالتنبؤ في تغيرات مهمة في الطقس على الكوكب بأكمله مثل التيارات النفاثة في الغلاف الجوي وتذبذبات الطقس في منطقة شمال الأطلسي.

الاحتباس الحراري يزيد من احتمالات حدوث الجفاف

كما أشارت دراسة جديدة إلى أن الجفاف في المناخ الحالي يحدث كل عشرين عاما بدلا من 400 عام قبل الاحتباس الحراري.

حيث، توصلت مجموعة عالمية من الباحثين في دراسة إلى أن التغير المناخي الناجم عن النشاط الإنساني “زاد 20 مرة على الأقل من احتمالات حدوث الجفاف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وذكرت هذه الدراسة التي أعدها باحثون من شبكة “وورلد ويذر أتريبيوشن” التي تضم كوكبة من العلماء الرواد في مجال دراسة العلاقة السببية بين الظواهر الطبيعية المتطرفة والتغيّر المناخي، أن خطر حدوث جفاف للتربة كالذي شهدته أوروبا والصين والولايات المتحدة يمكن أن يتكرر في ظل المناخ الحالي مرة كل 20 سنة مقابل مرة كل 400 سنة أو حتى أقل من ذلك في حال لم يكن هناك احترار.

وقالت الدراسة إن “التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري أدى إلى زيادة احتمالية حدوث الجفاف السطحي بمقدار خمس مرّات على الأقل، وزيادة احتمالية حدوث الجفاف الزراعي والبيئي بمقدار 20 مرة على الأقلّ”.

وكانت دول أوروبية عديدة عانت من ظاهرة الجفاف في فصل الصيف، بما في ذلك فرنسا حيث جفت أنهار واضطرت مناطق عدة إلى فرض نظام تقنين لاستخدام المياه، وتأثرت بالظاهرة أجزاء من الولايات المتّحدة والصين.

وتسبب الجفاف أيضا في حرائق غابات، وأدى إلى اضطرابات في إنتاج الكهرباء، وخاصة الطاقة الهيدروليكية والنووية.

وقد انعكست تداعيات هذا الجفاف على القطاع الزراعي، حيث انخفضت المحاصيل فيما يشهد العالم ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية.

الاحتباس الحراري قد يؤدي إلى انقراض الدب القطبي

أعلن جيف يورك المتحدث باسم منظمة “بولار بير إنترناشينوال” (Polar Bears International) البيئية، أن الاحتباس الحراري يمكن ان يؤدي إلى انقراض الدببة القطبية في القطب الشمالي.

واشار في مقابلة مع قناة “يورونيوز” إلى أن الاحتباس الحراري يتسبب في عدم حصول الدببة القطبية على الطعام اللازم، ما يؤدي إلى موتها جوعا، حيث يفقد الدب بسبب ذلك كيلوغرامين من وزنه كل يوم”.

ووفقا له، يمكن أن يؤدي هذا الوضع، إلى انقراض شبه تام لهذا النوع من الحيوانات.

تجدر الإشارة إلى أن الدب القطبي، هو أكبر حيوان مفترس على الأرض. يقضي معظم حياته في البحر وسط الجليد العائم.

ووفقا للصندوق العالمي للحياة البرية، تقلصت مساحة الغطاء الجليدي في القطب الشمالي في السنوات الأخيرة بأكثر من 30ب%، ما قد يؤدي إلى انخفاض عدد الدببة بمقدار الثلثين في المستقبل القريب.

وبحسب يورك، فأنه بسبب الاحتباس الحراري يتسارع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، الذي يعتبر الموطن الطبيعي لهذه الحيوانات المفترسة، التي تصطاد حيوانات الفقمة التي تعتبر المصدر الرئيسي لغذائها.

ولكن في ظروف تسارع ذوبان الجليد القطبي وتقلص مساحته، تضطر الدببة إلى الهجرة إلى القارة، حيث لا تتمكن من توفير كمية الطعام اللازمة، ما يؤثر سلبا في عملية تكاثرها.

ويقول فلافيو لينيرو، عالم المناخ بجامعة كورنيل، “إن الدب القطبي، على وشك الانقراض، وهذا يجب أن يثير اهتمام الجميع.

لأن تطور وضع التنوع البيولوجي في القطب الشمالي يقيم بشكل موضوعي صحة الكوكب“.

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: