أهم الموضوعاتأخبارالتنمية المستدامة

د.حسين أباظة: مبادرة إفريقيا الخضراء هي المخرج لأزمات القارة ..ما يحدث في الساحل الشمالي تعدي جائر على الطبيعة

الاكتفاء الذاتي ودمج قيم ومبادئ التنمية المستدامة في التعليم الأولوية أمام الدولة.. دعم المجتمع المدني وتحوله للأخضر يحل الكثير من القضايا البيئية والمناخية

لدينا أزمة حقيقية في العمل الجماعي ولدينا أزمة في بعض القيم..دول في إفريقيا تعمل حالياً على مستوى المبادرات والمعايير الخاصة بالاقتصاد الأخضر أو الطاقة المستدامة

 

كتب مصطفى شعبان
د.حسين أباظة كبير مستشاري وزارة البيئة للتنمية المستدامة، وخبير الاقتصاد في برنامج الأمم المتحدة للبيئة السابق، له الكثير من الرؤى والأفكار التي يمكن أن يتم ترجمتها على أرض الواقع والاستفادة منها في وضع روشتة متكاملة لحل الأزمات الحالية ليس البيئية فقط ولكن الاقتصادية أيضا ، خاصة وإنه لمن لا يعلم هم واحد من فريق من القيادات والخبرات التي أحيت مصطلح ” الاقتصاد الأخضر” على المستوى الأممي، أي أنه رجل ذو خبرة وذو حيثية علمية كفيلة أن تضعه موضع التوجيه أو على الأقل النصح والتنبيه .

د.أباظة بدأ معنا حديثه بقصة تستحق أن تروى عندما سألنا عن الأحوال كسؤال طبيعي عن لقاء شخص لأول مرة منذ فترة طويلة، فكان ردنا أن الأمر محبط بعض الشيء نتيجة عدم تجاوب لا الشخصيات العامة ولا الأجهزة ولا حتى قطاعات فاعلية كثيرة بما فيهم المواطنين لقضية التحول للأخضر أو التنمية المستدامة” ، فكانت هذه إجابته..

الصبر والمثابرة وقصة 22 عام في أروقة الأمم المتحدة

أكد أن العمل البيئي يحتاج صبر ومثابرة وكفاح مستمر وليس عملية نتائجها سريعة مباشرة، ولتوضيح الفكرة أكثر أعطى لنا مثالا لمسيرته العملية في برنامج الأمم المتحدة للبيئة على مدار 27 عاما بدءا من 1882 حتى 2009، قضى منهم 15 عاما في نيروبي و7 سنوات في جنيف، فخلفيته الاقتصادية كانت جديدة على أن يكون واحدا من أعضاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة، لأن العاملين هناك خلفيتهم جميعا علوم، وكان أباظة مسئولا عن برنامج الاقتصاد والتجارة الدولية وعلاقته بالبيئة، ولم يحدث قبول الفكر الذي يتحدث عنه غير أخر عامين أو ثلاثة في موقعه، فعندما حدثت الأزمة الاقتصادية العالمية 2008، وقتها أعلن كمسئول فريق ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة عن مبادرة الاقتصاد الأخضر، وكان بداية إحياء لمصطلح فكر الاقتصاد الأخضر الذي تم نشره في كتاب قبل 3 خبراء 1989، ولم يحظ وقتها بالقبول لأن العالم لم يدرك جيدا هذه المبادئ، وأخرج أباظة وفريق الأمم المتحدة للبيئة مبادرة” الاقتصاد الأخضر”، واطلقوها في لندن أوائل 2009 بورقتين فقط، وكانت تتضمن الاستثمارات في الطاقات المتجددة والسندات الخضراء، ثم في اجتماع في نيويورك، وتم إصداره في كتاب 2011، يتناول 11 قطاعا، أي أنه جاء الحصاد بعد 22 عام، وتبنت برامج الأمم المتحدة هذه المبادرة، وكان مسئول الإدارة في جنيف وقتها ” أكيم شتاينر” الذي تولى حاليا مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ومن ضمن التعليقات وقتها التي تلاقها أباظة وفريقه من باقي البرامج، وخاصة البنك الدولي إنهم “لماذا لم تصلنا هذه الفكرة”، وحاليا كل مكاتب وإدارات الأمم المتحدة لديها استراتيجيات ومخططات الاقتصاد الأخضر، مثل منظمة الزراعة ومنظمة المستوطنات البشرية ، وحتى الاتحاد الأوروبي وغيره من الكيانات الدولية، من سنوات طويلة على نعرض مقترحات التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر، فالأمر يحدث حاليا بتطبيقات الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة في مصر، فلدينا علماء مصريين قدموا هذا الفكر ونشروه على المستوى الدولي واليوم كل الحكومات والمؤسسات تتحدث عن الاقتصاد الأخضر.

جرين نيو ديل

وحول رؤيته للمخرج من الوضع الحالي وتحقيق نتائج أكثر إيجابية وأسرع في مكافحة تغير المناخ، أكد أباظة أن المخرج هو مبادرة ووثيقة “جرين نيو ديل”، وشرح تفاصيها بأن يكون على مستوى القارة الإفريقية اتفاقية واحدة تجمع جميع المعايير والأهداف، وتطبيق سياسة عامة لمعالجة تغير المناخ إلى جانب تحقيق أهداف اجتماعية أخرى مثل خلق فرص العمل والحد من عدم المساواة الاقتصادية ، وكذا إصلاحات اجتماعية واقتصادية ، وهذا المصطلح والسياسة كما يقول أباظة تعود إلى ( الطريقة والمنهج الذي طبقه الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفلت استجابة للكساد الكبير) وتجمع المبادرة الخضراء الجديدة بين نهج روزفلت الاقتصادي والأفكار الحديثة مثل الطاقة المتجددة وكفاءة الموارد.

وكشف د.أباظة أنه أرسل هذه الفكرة وتفاصيلها لوزيرتي البيئة والتخطيط ومقترح أن تطرح الحكومة المصرية ” مبادرة إفريقيا الخضراء”، خاصة في ظل التحديات والظروف العالمية التي تواجه مؤتمر المناخ cop27، وقدم هذه الرؤية فعليا، موضحا أن هذه الفكرة أو المبادرات يعمل عليها كل الكيانات الكبرى حاليا، سواء في الاتحاد الأوروبي أو كوريا الجنوبية، وأستراليا حاليا، وكذا هناك مبادرة الشرق الأوسط الخضراء للسعودية، ودول في إفريقيا تعمل حاليا على مستوى المبادرات والمعايير الخاصة بالاقتصاد الأخضر أو الطاقة المستدامة، كما أن الولايات المتحدة تدرس من فترة تطبيق مبادرة ومعايير للتنمية المستدامة، فلم يعد الأمر سري الآن فالجميع يتحرك في اتجاه ” جرين نيو ديل” .

جمع الاستراتيجيات في مبادرة واحدة

واقترح أباظة أن يتم الإعداد لمثل هذا المبادرة لتكون مبادرة مصر لإفريقيا، “مبادرة إفريقيا الخضراء” ضمن مبادرات مؤتمر المناخ للحديث باسم إفريقيا، ثم يكون لدينا مبادرة على المستوى الوطني بتطبيق معايير موحدة بدلا من أن يكون كل وزارة أو هيئة أو شركة تعمل منفردة، فلابد من جمع كل الاستراتيجيات المعلنة ( استراتيجية الطاقة – استراتيجية تغير المناخ – رؤية مصر 2030- وثيقة حقوق الإنسان- استراتيجية المياه- حوافز وزارات الصناعة وغيرها بشأن الشركات العاملة في الطاقة الجديدة …) كذلك كل مبادرات ورؤى المجتمع المدني – وكان ممكن أن يكون الحوار الوطني الذي أعلنته وزارة البيئة أن يتضمن مثل هذه المبادرة، ويتم توحيد كل الجهود ويتم حوار مجتمعي حقيقي يخرج كل هذه المبادرات والرؤى في كيان واحد يتم تنفيذه.

المخرج من الأزمات بالاعتماد على الذات

وأوضح أباظة في حديثه لـ ” المستقبل الأخضر ” أن العالم كله يشهد حاليا أزمات متعددة ” الطاقة – الاقتصاد العالمي- الغذاء – تضخم- أزمة مياه” وغيرها خاصة فيما يتعلق بالتجارة العالمية وتأثيرها على الناتج المحلي، والتأثير على مختلف القطاعات ومناحي الحياة، فمبادرة إفريقيا الخضراء هي المخرج للأزمات الحالية وتساعد على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهذا يوفر تأمين داخلي أفضل كزيادة ميزانيات البحث العلمي والابتكارات، خاصة أن العالم المتقدم لم يعطي ولن يعطي أبدا أساسيات التكنولوجيا ومهما تم الضغط على هذه الدول في ظل الظروف الدولية الأخيرة لن يعطي العالم المتقدم أي شيء، فالعالم كله يبحث عن طريقة خلاصه والسياق العام أدوات التنفيذ، والسياق التاريخي لا يبشر بالخير تجاه وفاء الدول المتقدمة بالتزاماتها لذا يجب أن يكون لدينا كدولة ومنطقة عربية وإفريقية نستطيع أن نعتمد على أنفسنا، وندعم عملية الترابط والتنسيق بين المستويات الإفريقية والعربية والدول النامية، ولكن نحتاج الإطار، وهو العودة إلى ” جرين نيو ديل”، يكون هناك تحرك على أدوات التنفيذ كتفعيل دور البنوك، ليكون تعاون بيني لتوفير التمويل وكذا التجارة وتبادل الخبرات والكفاءات وتبادل التدريب وقصص النجاح والجامعات وتبادل علمي.

الأمل في الدول الصاعدة وليس الغرب

وشدد أباظة على أن الأمل في الدول الصاعدة، حيث يمكن أن تكون فرصة عظيمة للتنسيق والتعاون معهم في ظل تغير خريطة العالم، من حيث المستوى الاقتصادي وصعود دول جنوب شرق آسيا، وهي الدول التي يمكن أن توفر فرصة لتوطين التكنولوجيا ليس مع الغرب، وتكون الأولوية للشركات القادمة من الشرق والدول الصاعدة، حتى في التعليم، فالهند، والصين، وماليزيا، وكوريا الجنوبية لديهم فرصة أكثر لتقديم طفرة في الابتكارات التكنولوجية بما فيها ابتكارات المناخ، وحاليا لابد أن يكون هناك تعاون بمبدأ ” تعاون الجنوب الجنوب”، فبدلا من استنزاف طاقتنا في المفاوضات ، فلابد ان نستغل الوقت، وحاليا في ظل أزمة الغذاء العالمية وأزمة سلاسل التوريد العالمية ، خلافا إلى زيادة الأسعار، لابد من البحث عن مخرج ولا يكون الاعتماد شبه كلي على سلاسل توريد من الخارج.

الاكتفاء الذاتي

وأوضح أباظة، أن المستقبل لن يكون أفضل إلا بوجود تخطيط للاكتفاء الذاتي في كل المجالات، أو على الأقل التكامل بين الدول المنطقة ودول القارة الإفريقية ودول الجنوب النامية، لابد من تكثيف العمل لتقليل الاعتماد على الخارج بكل صوره ليكون لدينا اكتفاء ذاتي في كل القطاعات ونكون دولة مصدرة وليس مستوردة، وهنا نعود لـ” جرين نيو ديل” للاستثمار في رأس المال البشري، والابتكار واستخدام التكنولوجيا، والاستثمار في الطبيعة.

وفسر أباظة أهمية أن يكون هناك مبادرة إفريقية وطنية – عربية – إفريقية خضراء، أن يتم ترجمة المعايير المطلوبة المحلية والقارية والدولية على المستوى، ليكون هناك كذلك تنسيق مع المؤسسات الدولية، كالبنك الدولي وغيره، أن يكون تنسيق بين الدول المانحة، والهياكل الداعمة للدول النامية، ويتم تنسيق في الاتفاقيات المعنية بالبيئة في كل القطاعات، ولابد أن يكون هناك تنسيق دولي وتعاون بين جميع الأجهزة، وأن يكون هناك صندوق بحيث أن الدول المسئولة عن التلوث تدفع ثمن تلوثها، وتقديم دعم للدول المتضررة حسب نسبة تضررها.

محطات الطاقة الشمسية
محطات الطاقة الشمسية

وعن دور مؤتمر المناخ نوفمبر المقبل في مثل هذه المبادة، عبر د.أباظة ، عن أمنيته أن يتم استثمار مؤتمر المناخ cop27، في إعلان مثل هذه المبادرة، وخاصة أن عدد كبير من الدول الإفريقية بالفعل قد يكون بدأ خطوات جادة نحو الاقتصاد الأخضر، فالمؤتمر الدولي الذي يعقد على أرض مصر، يجب أن تظهر فيه مصر دور قيادي تقدم فيه رؤية دولية وكذا إفريقية، وهنا لابد أن ننتبه إلى أهمية أن نقدم أجندتنا الوطنية بجانب الأجندة الإفريقية، وكذا الدول الصاعدة والنامية بما فيها مصر، ولابد أن نحدد قضيانا.

الساحل الشمالي وتغير المناخ والتعدي الجائر على الطبيعة

وضرب أباظة مثالا واضحا بالقضايا المصرية التي يمكن أن يتم إثارتها في مؤتمر المناخ، كقضية تأكل الشواطئ المصرية، التي تأثرت أكثر بتغيرات المناخ، يوضح أباظة أن تأكل الساحل وتدهور بعض المناطق الساحلية، لكنه ألمح إلى قضية التدخل البشري في مصر في إحداث تغيير وضرر أكبر على السواحل مثلما يحدث في الساحل الشمالي، وعدم حساب الحد الأقصى للإشغال المنطقة، وزيادة النحر ، موضحا أن هناك تدخل كبير حدث ويحدث السنوات الأخيرة يؤثر على تكيف الطبيعة ونتيجة التعدي علي الطبيعة بشكل جائر يحدث سرعة في التأكل وأزمة كثافة وحدة الأمواج وما يترتب عليه بسبب إنشاء البعض مارينا يخوت في مكان لا يصلح فيه مثل هذه المارينا – كذلك وضع حاجز كسر أمواج – كل هذا يمنع البيئة الطبيعية من إكمال دورتها كتواجد الرمل على الشاطئ على سبيل المثال مما يعني إهدار الاستثمار والإمكانيات البيئية، وهذا يعد تعدي وأنشطة اقتصادية وترفيهية جائرة على المنطقة، ما يحدث في الساحل الشمالي هو تدخل بشري في طبيعة المنطقة زاد من تأثيرات تغيرات المناخ، وخاصة أنه هل هناك تحديد لكثافة السكان أو الإشغال لهذه المناطق.

السواحل المصرية
السواحل المصرية

cop27 بداية للوعي المجتمعي والتحرك الحكومي

وحول فائدة مؤتمر المناخ ومدى تأثيره فيما بعد، أكد أباظة، أنcop27 ، أدي إلى حراك كبير لم يكن موجودا فالكل يتحدث عن البيئة والمناخ والتغيرات المناخية والطاقة الجديدة ونأمل ألا يتوقف عند مؤتمر المناخ فقط، ونتمنى أن يكون بداية لرفع الوعي المجتمعي وإشراك المجتمع المدني في العمل المناخي والبيئي بشكل فاعل حقيقي.

د.حسين أباظة

التنمية المستدامة والقيم والاقتصاد الدائري 

وحول ماذا بعد مؤتمر المناخ، هو التحول من الاقتصاد الخطي إلى الاقتصاد الدائري والاقتصاد الأخضر، وهذا يحتاج نشر الوعي والتعليم والثقافة وترسيخ القيم، ولدينا أزمة حقيقية في العمل الجماعي ولدينا أزمة في بعض القيم كالترابط والمشاركة في المعلومة والتعاون، والعمل التطوعي والعمل المجتمعي والإخلاص في العمل واتقان العمل وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ومحاربة الفساد، ولن يكون لدينا تحول للتنمية المستدامة بدون هذه القيم ، ولا يصلح أن يتم نقل هذا من الورق إلى الواقع بدون قدرة الأجهزة الحكومية والقطاع الخاصة والمجتمع المدني أن يعملوا معا ويكملوا بعضهم البعض وتحقيق المشاركة الحقيقية في صياغة القرار ويكون كل طرف جزء من وضع الخطط ليكون جزءا من التطبيق، ويكون الحوار المجتمعي حقيقي، والأصل في كل هذا هو دمج مبادئ التنمية المستدامة في التعليم بداية من والكوادر والمعلمين والمدرسين لينتقل إلى التلاميذ وكل مناحي التعليم ليخرج لنا جيل حقيقي يؤمن بالمبادئ وآليات التنمية المستدامة، وكذا المناهج التعليمية بداية من الحضانة حتى الجامعة.

دور المجتمع المدني

وعن دور المجتمع المدني، فيوضح أباظة أن هناك مبادرة لتخضير الجمعيات الأهلية وتقودها مؤسسة مصر الخير، لوضع معايير الجمعيات الخضراء وفي حال تنفيذه يكون تم حل مشكلة كبيرة فالمجتمع المدني هو قاعدة التحرك الأساسي في العمل البيئي والمناخي، ويتم أولا وضع المعايير والآليات لرفع قدرات الجمعيات الأهلية وكذا أنشطتها لتكون مستدامة، ويتم إقرار هذا فيما بعد في أساسيات التأثيث للمؤسسات الجديدة، ويعد هذا بداية الطريق لإدماج وتطوير إمكانيات المجتمع المدني في قضايا تغير المناخ.

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: