وجهات نظر

د.أحمد يحيي راشد: مشروعات التخرج وصناعة الاستدامة ودراسات المستقبل..بين التوظيف والتجريف وبين الأمل والفشل

صاحب مبادرتي حقوق حضارة واستحداث علم سيفليزولوجي (علم تأصيل الحضارات)

 

في غربتي هذه الأيام، اشتاق بحنين إلى ما أتابعه مع زملاء وأعزاء وطلاب في مناقشات مشروعات التخرج بالجامعات ليس فقط المصرية، ولكن العربية، وليس في مجال العمارة والتخطيط، ولكن في مجالات أخرى، ومع ثورة 23 يوليو، والتي مر عليها 70 عاما، وكانت تنادي لبناء مصر بالعلم والشباب ومشروعات التخرج، كانت معها دعوة الصديق العزيز أ.د. أحمد رضوان أستاذ العمارة، ووكيل كلية الفنون الجميلة لشئون الدراسات العليا والبحوث بجامعة حلوان، والتي يمكن أن يلتف حولها الجمع نصها التالي:

(أعتقد أنه يجب علينا أن نضع جميعا- كأساتذة عمارة وتخطيط- استراتيجية متكاملة لمشروعات التخرج على مستوى كافة الجامعات (حكومية-أهلية- خاصة) بحيث تتكامل تلك المشروعات لتحقق خطة الدولة للتنمية في محاور #التخطيط والتصميم العمراني والعمارة، وتقدم مقترحات وحلول مبتكرة للمشكلات المتعلقة بالبيئة المبنية، والعمارة والعمران).

ولأن هناك الكثير والكثير من المحاولات السابقة للهدف والمقصد، تواصلت معه وأرسلت له بعض من تلك المستندات، لتكون خطوة أو مجهود نتعلم منه، ومعها لابد من التجاوب مع واقع بما فيه من إحداث واجتهادات من دولة ترغب في تجديد الجامعات القائمة، وإنشاء جامعات جديدة، ومنها العالمية، والخاصة، والأهلية، والتقنية، وهو طموح مشروع في وسط الأحداث العالمية والتحديات الفعلية، ثم مرحلة ثانوية عامة مسبقة، أو أنظمة من هنا أو هناك، لعل فعلا كانت السبيل الأمثل، ثم سوق عمل واحتياجات بلد أولا وعالم محيط، يفرض عليك وعيا وهما…. فأعدت طرح مقالة كنت قد كتبتها من 10 سنوات، وجدت من الضرورة طرحها بمعظم نصها لآنه لايزال مناسبا للحال والأحوال!!

دور الجامعة وصناعة مستقبل

في هذا الوقت من كل عام تكون حوارات عن مشروعات التخرج والامتحانات ودور الجامعة من علم وتعليم وصناعة مستقبل وأعضاء هيئة تدريس وإدارة وطلاب وما يسيطر على بؤرة الأحداث من ضبابية المرحلة في معني الجامعة، وكونها السبيل لتأسيس مستقبل الأمة من خلال منظومة واضحة الأهداف والمعايير والأدوار، وضمير جمعي وليست مساحات فئوية لأفراد قد يقولوا حقا يراد به باطل.

وبين تناقض أن يبحث الطالب عن حقوق له دون تفهم للواجبات وبين توظيف خط إنتاج العملية التعليمية والسنه الدراسية لبناء الذات، وسعي طالب إلى نجاح ظاهرة إنجاز وواقعة هزيمة تكون القضية: هل نحن جادون في العملية التعليمية أم انها تمثيله بأدوار لا يتقن ممثليها أداء أدوارهم لتكون هناك احتفاليات نجاح ومناقشات ونتائج وفرحة أهل، والحقيقة أقل ما توصف بها أنها تجريف لمرحلة من العمل والعمر ولمستقبل وطن.

التهوين والاستكانة

بداية يوجد بالجامعات قصورا تراكمت أسبابه في مراحل كان التهوين والاستكانة سببا في نيل من لا يستحق قيمة ومعني أستاذ جامعي، وأصبح العديد منهم ليس فقط مسئولا عن تعليم وإعداد الأجيال، بل منهم من سمحت الظروف أن يكون في منصبا وصانع للقرار بالجامعات، وللأسف الكثير منهم سارق للعلم، وترقى ويعتبر نفسه مرجعا، ويكون عنده كم من الوقاحة عندما تكون سبل المواجهة قاصرة في أن يستمر بسمومه في تجريف الجامعات، ودائما يبحث هؤلاء عن من هم دونهم كفاءة حتي يبقي في داخله بعض المبررات لاستمراره، وكانت تلك سياسة دولة في وقت ما لتجريف الجامعة والبرامج التعليمية لتكون النتيجة معاناه اليوم.

والفشل يصنع فشلاً لآن من أصبح أستاذ جامعي بالغش والتدليس والتسيب يتمنى أن يكون كل من حوله في نفس مستواه وضعفه وإحساسه بالدونية، وهي قضية تحتاج للمكاشفة والمصارحة، ولكنهم نسب محدودة والنسب الأعظم بالجامعات لاتزال يمكنها إنقاذ الجامعات وبناء الذات.

ونتيجة لحالة الغفلة غير المنطقية بالجامعات، أصبحت درجات علمية من ماجستير ودكتوراه ومشروعات وأبحاث تخرج لبكالوريوس أو ليسانس ما هي إلا تمثيلية مقززة ومحزنة لابد لها أن تقابل بمواجهة وحسم، وتقييم بالعلم والبحث العلمي، والاعتماد الأكاديمي ليكون المنتج إنسان يعرف حقوقه وواجباته، وقادرا أن يوظف سنوات دراسته في عمل شريف ومساحة لبناء وطن، أو يكون عاطلا محبطا لا يعرف مبررات لتخرجه قد يعمل في مكان لم يعد له أو يكون في الانتظار مهموم ومهزوم، وهو ما يطلق عليه أما صناعة الأمل والعمل أو تكون صناعة الباطل والفشل.

مشروعات وبحوث التخرج

نعود لبيت القصيد لمشروعات وبحوث التخرج في السنة النهائية للمرحلة الجامعية، والتي تكون قمة الهرم والتتويج لمراحل التعليم ما قبل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي، وفي نفس الوقت تكون تلك المشروعات والبحوث من الناحية الافتراضية، وليس الواقعية قاعدة المستقبل لبناء بلد بشباب تخرج يبحث عن بناء الذات والوطن.
ومع انتهاء مناقشات واحتفاليات مشروعات التخرج، يتبادر السؤال، من الجاني؟ ومن المجني عليه؟ وهل الاحتفالية أم امتحانات تأهيل واختبار للأفكار بين الصالح والطالح لمستقبل فرد وبلد؟ هل هي احتفالية عروس النيل لابد أن تنتهي بتتويج وزغاريد حتى لو كانت الضحية خداعة بفرد ظاهره خريج مؤهل وواقعه أن البلد ستعاني من خريج عاطل دون المستوى؟ أم أن المسئولية تتطلب التأكد من جودة المنتج في قمة الهرم التعليمي في السنوات النهائية من مشروعات وأبحاث التخرج، وأن تكون وسيلة وأضحة فاصله، وتكون قاعدة بناء تطبيقي لوطن ولمستقبل كل المشروعات لابد أن لها سبيل في المنظومة ودون ذلك يكون عيبا نحاسب منه جميعا.

يعني أيه توظيف وتجريف، وأمل وفشل؟! – التجريف أن تكون الجريمة منظمة وتتكون ورش وبطاريات ومكاتب وأفراد للقيام بتنفيذ مشروعات وأبحاث التخرج بالنيابة عن الطلاب، منظومة كاملة من التدليس والغش، وتكون المصيبة أن الأمر يتم بالعلن، ويتصور الطالب والذي من وراءه أسرة تدفع له وتقبل أن يكون غشاشا، وأن ذلك شرعي، ومن يقوم بعمل مشروعات بالنيابة عن طالب من المفترض أن يتخرج أنه يعمل عمل حلال (يوجد شباب يأخذ إجازة من عمله إذا كان يعمل في فترة مايو ويونيو ويوليو لعمل مشروعات وأبحاث تخرج لمن يدفع ويجاهر بذلك دون أي إحساس بالجريمة أو الإدانة)، وهي للأسف حالة نتاج ونتيجة منطقية لتعليم بني بالدروس الخصوصية في المدارس والجامعات الحكومية والخاصة.

في أزمنه سابقة كانت مناقشة مشروعات وأبحاث التخرج امتحان له هيبته، ويكون فاصلا بين النجاح لمن يستحق والإعادة لمن لا يستحق.

مشاريع التخرج في السابق

كانت في أزمنه سابقة يمكن أن تتم المساعدات المشروعة من طلاب زملاء في السنوات الأقل درجة من سنة التخرج، يأخذ الطالب المساعد خبرة من زميل له ويعد نفسه لنفس المرحلة في سنوات قادمة، وتكون مساعدته فقط في إظهار الأفكار للطالب المتخرج.

وكان مشروع التخرج يتم في الجامعات وأستوديهات الجامعة، وتحت إشراف الأساتذة ومعاونة المعيدين، وتتم المتابعة اليومية، ونمو وتطور الأفكار منطقية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال مناقشة أفكار لم تولد من المؤسسة التعليمية والطالب المتخرج، وتكون الأفكار أصلية ولها حقوق ملكية فكرية، والتقييم والتقديرات والدرجات، ومناقشة المشروعات تتم بشفافية أمام كافة أطراف العملية التعليمية.

إشكالية تتطلب التوقف والتساؤل إلي أين ؟ّ!

أما اليوم مع دخول التقنية والحاسوب والقدرة علي الاقتباس، وعدم التحقق من تطور المشروعات أو حتي قيام الطالب بعمل المشروعات بنفسه دون الاستعانة بمكاتب أو محترفين وزيادة الأعداد، أصبحت القضية إشكالية تتطلب التوقف والتساؤل إلي أين ؟ّ!
يعني أيه مشروع: في الحالة المثالية للتوظيف مشروع التخرج للطالب في السنة النهائية مفترض أنه كل حياته، بالنسبة للمؤسسة التعليمية هي تأكيد لجودة وكفاءة المؤسسة التعليمية، بالنسبة لمصر هي نقطة مستهدفة لمستقبل دولة إذا تم تجميع النقاط بنظام يمكن معها أن تكون مرجعيات لبناء الدولة.

صناعة المستقبل

وصناعة المستقبل هي مواد أولية من علماء وأساتذة بالجامعة وطلاب وشباب وإدارة وعاملين وإمكانات من مباني وأجهزة ومعامل وخط إنتاج من برامج تعليمية مختلفة التخصصات، وسنوات الدراسة والمرجعية والجودة، وفي النهاية منتج من خريج يصل الي كفاءة ما، وفي الحالة الإيجابية يتم توظيف مشروع التخرج للشاب، ويوظف دراسته للعمل لبناء الذات والوطن.

التجريف

أما في التجريف ألا يكون هناك تركيز من أول اختيار الموضوعات في كافة التخصصات، المتابعة لمن يرغب من الشباب الجاد أم دون ذلك قد يكون حضوره فقط لإثبات الوجود، في عملية حسابية بسيطة كم يكلف مشروع التخرج للطالب، فليكن المثال لطالب في جامعة حكومية: عمل الطالب في المتوسط علي مدار 15 اسبوع في الفصل الاول، و15 اسبوع في الفصل الثاني و6 اسابيع للمرحلة النهائية بمتوسط حد ادني 500 ساعة عمل في السنة، واذا كانت الساعة فقط 10 جنيهات نتحدث عن 5000 جنيه، اشراف اعضاء هيئة التدريس 5000 اخري وطباعة كحد ادني 10000 طوال السنة فلنقل المتوسط فقط 20000، عشرون الف جنيه (أقل تكلفة لمشروع التخرج في جامعة حكومية) واذا اردنا حساب التكلفة الفعلية لمشروع التخرج فليس فقط 20 الف جنيه، ولكن لابد ان نحسب التكلفة لمنتج شاب تعلم ما بين 16 او 17 سنة من ما قبل الابتدائي والاعدادي والثانوي وتم في تكوينه من تراكم كل المواد والاساتذة والعمر في التحصيل بهدف التأهيل وعليه مؤكد ان الشاب الواحد تكون تكلفة اعداده علي الاقل مليون جنيه وهذه في اسوأ سيناريوهات الاعداد والانفاق بجامعة حكومية) ولكن لنعود الي رقم 20 الف فاذا كانت دفعة من 100 طالب فأقل قسم يكون تكلفة تخرج دفعة 2000000 فقط 2 مليون جنيه.

صناعة الفشل

ومثال أخر أكثر صرامة في جامعة خاصة لمدة 5 سنوات 300 ألف تكلفة التعليم في المتوسط في عدد 100طالب، نتحدث عن 30 مليون جنيه، في حوالي 20 جامعة حكومية وحوالي 20 جامعة خاصة، وحوالي 50 معهد خاص، فهل لنا ان نتحدث عن رقم بالمليارات، وتريليونات كقيمة مادية، وطاقة هادرة تكون بناءه إذا أعدت بوعي لبناء مستقبل دولة وصناعة الأمل، وتكون هادمة وكارثة إذا تخرج الشاب لدولة بهذه التكلفة، ولا يجد إجابة بسيطة، وهي أين يمكن لي أن أعمل كمنتج لصناعة الفشل؟!.
بين الأرقام والمردود، فجوات وتجريف قاسي لتحويل منظومة التعليم من مواد أولية وخط إنتاج ومنتج شاب إللا رقم اعتباري كتكلفة، يوظف هذا الشاب إما في مكانه، وهي حالات محدودة أو يسافر ليعطي كل هذه القيمة في بلد أخر وجد فيها فرصة لينال المردود.

وهذه كارثة دولة تريد أن تنطلق من حالة إلى حالة ولا توظف منتجها، فتكون في حالة استحالة، بلد تعيش في غيبوبة وتريد ان ترتقي دون ان تعمل ولن تتغير بلد إلا إذا اصبحت البلد واعية وفرصة لا بناءها ويتم تمكين الشباب في عودة الروح والوعي.

المواجهة

وعليه لابد أن تتم المواجهة، ولا يمكن أن نستمر في المناورة، تتطابق مع دعوة أن العلم والبحث العلمي السبيل الوحيد للتغيير والتغير، وأن يتم توظيف مشروعات وأبحاث التخرج نحو القضايا الملحة مع وضوح أن مصر لها مشروعات تبحث عن أولويات لعلاج مشاكل في 5% من الوادي الضيق، ومشروعات تخطيط لقضايا الخروج والفتح لعمران 95% من مساحة مصر، ويتاح لطلاب الجامعات كل المبادرات الواقعية والدراسات التي تقوم بها الدولة، ومؤسساتها من القمة للقاعدة، ويكون أفكار الشباب ومشروعاتهم وابحاثهم اضافة تجمع بين البحث العلمي وتحدياته وطموح وأحلام وطاقة الشباب من القاعدة للقمة والتكامل، وعليه لا يتم الموافقة علي اي مشروع او بحث تخرج أو دراسة ماجستير ودكتوراه دون ان يثبت الطالب جدوي الدراسة من خلال سند مرجعي سواء من شركة أو مصنع أو معهد علمي أو خطط الدولة أو أستاذ أكاديمي.

شباب جاد وتعليم محترم

في كل ما ذكر الصورة ليست قاتمة، وإلا كانت الكارثة واقعة، هناك شباب جاد وتعليم محترم ولا يزال الخير في الأمة، والدولة تسعي ونحن لابد أن نعمل، كما لا يزال في إمكانية للصحوة والآمل لمن هم في غفوة، ولا أنفي عن نفسي وعن جيلي المسئولية والإدانة، ولكن الحديث لشاب لابد أن يبحث عن مستقبله ومسئوليته، ويعي أن له حقوق وعليه واجبات للخروج بإنسان مختلف، لفتح الأفاق والفرص ليكون فاعلاً وليس مفعول به، وأن سوق العمل بتحدياته ومعطياته متغيرة وتقنياته متجددة، فلا تكون بإرادتك خادعا لنفسك ومستقبلك، انت أمل بلد وخسارتك فشل لمرحلة ومعه لابد أن تكون مشروعات التخرج صناعة للتوظيف وكفانا تجريف.

يا أبني الله معك ما كنت صادق مع نفسك ومجتهد في علمك وعملك والله المستعان.

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: