وجهات نظر

د.أحمد هاني: فشل الاستراتيجيات البيئية

أستاذ الحساسية والصدر وطب البيئة بالأكاديمية الطبية العسكرية

 

عندما بدأ العلماء التحدث عن التلوث والبيئة في منتصف القرن الماضي لم يعطي الساسة والأقتصاديين للموضوع أهمية كبيرة، وكان هذا نموذج للصدام بين المحيط الحيوي والمحيط التكنولوجي مع انحياز المحيط الاجتماعي الحاكم ضد المحيط الحيوي.

وفضل الاقتصاديين التنمية غير المحسوبة بيئيا علي الأخذ في الإعتبار التلوث الناتج عن التنمية غير المستدامة، وعندما نشطت جماعات البيئة وجد السياسيون فرصة للحصول علي أصواتهم الانتخابية.

خطط غير مهنية

عندما ظهرت آثار التلوث علي صحة الإنسان، وضياع المصادر غير المتجددة، بدأ السياسيون يأخذون قضايا البيئية بصورة أكثر جدية، و وضعوا خطط من أجل ذلك بقيت خطط علي الورق و لم يتم إعتماد المبلغ الكافية أبدا لإصلاح الأوضاع، واستمر الاقتصاديون في خطط تنمية غير المستدامة علي المستوى القصير، وحدث تضارب استراتيجي بين خطط التنمية غير المستدامة، واستراتيجيات التنمية المستدامة، واستمر الموقف البيئي في التدهور، وحتي عند وضع الخطط تمت دعوة القليل من البيولوجيين والأطباء، فافتقدت تلك الخطط للكثير من المهنية.

أهداف غير قابلة للتحقيق

وبسبب الإفتقار إلي المهنية تم وضع أحيانا أهداف لا يمكن تحقيقها من صفر تلوث بدلا من أفضل الحلول المتاحة، ويجدر بالقول أن في منتصف الخمسينيات عندما كانت هواء لندن ملوثا بالعوادم، وكانت لندن أكثر المدن تلوثا في العالم، طبقت بريطانيا أستراتيجية أفضل الحلول، و نجحت في معالجة المشكلة، أما صفر تلوث مع عدم اعتماد مبالغ كافية أصبحت الأهداف الاستراتيجية غير قابلة للتحقق، وهذا أخطر ما يهدم الأستراتيجيات.

وأيضا برغم أن كل النماذج الرياضية، والتوقعات أوضحت أن تقليل درجة حرارة الجو بمعدل واحد ونصف درجة مئوية لن يتحقق، إلا أنه لا توجد محاولات لمراجعة الخطط، واعتماد مبالغ كافية لتحقيقها، وهذا فشل استراتيجي آخر، حيث أصبحت الأهداف بلا موارد كافية، فلا يمكن تنفيذها.

تعارض الأهداف

وبينما أن كان هناك اتفاق بين دول العالم علي الأهداف طويلة المدى، إلا أن الأهداف والسياسات قصيرة المدى تتعارض معها، فالدول الفقيرة تريد التركيز علي نقص الغذاء، والمياه، والتصحر، والأمراض المنتشرة، بينما الدول الغنية تركز على معالجة ارتفاع درجة حرارة الأرض، حتى وإن كانت لا تفعل شيئا ملموسا لتحقيق هذا الهدف، وبينما كانت تنادى بانبعاث صفري للغازات الضارة، نجد أن علي أثر الحرب الروسية الأوكرانية، تحولوا إلى أستخدام أكثر للفحم، وهذا تراجع استراتيجي عن الخطط، ولو أنهم جادين كانوا أسرعوا في مشاريع الهيدروجين الأخضر، والطاقة النظيفة.

ازدواجية دول الشمال

ونجد أن دول الشمال المتقدم استخدمت قضايا حقوق الإنسان والبيئة و الجودة بإزدواجية سياسية، لتعاقب بعض الدول، ومتجاهله حقوق الإنسان في الصحة، والطعام، والحياة، بل أن بعض هذه الدول تمول الإرهاب، وتنشر الفوضى في المناطق التي بها مصادر بغرض السيطرة علي تلك المصادر غير مبالية بحق هذه الشعوب في الحياة و التنمية المستدامة.

رفض انتقال التكنولوجيا لدول الجنوب

كما أن الدول المتقدمة ترفض انتقال التكنولوجيا إلي دول الجنوب فمثلا السويد تقدمت في تدوير المخلفات والقمامة إلى درجة أنها تستورد القمامة من الدول المجاورة من أجل تعظيم مكاسبها من هذه المشاريع، وبينما أصبحت القمامة مصدر ثراء لها، نجد أن هذه القمامة مصدر أمراض في الدول الفقيرة.

وحتي يكون الشمال جاداً في معالجة قضايا البيئة، وهم الذين لوثوها في الأساس، وعليه أن يتحمل العبء الأكبر في إصلاحها، وحتي يتوقف الغرب عن إعتبار أن حياة الإنسان في الدول الفقيرة رخيصة فالاستراتيجيات البيئية، لن تنجح في أهدافها المنشودة، ولابد أن يتم التعامل مع الصحة والغذاء، والمياه، والبيئة كحزمة استراتيجية واحدة حتى تنجح المعالجات، وتتناسق الأهداف الطويلة المدى مع السياسات قصيرة المدى.

الخلاصة:

بالرغم من عقد العديد من المؤتمرات عن البيئة وتلوثها، إلا أن عدم مساهمة من لوثها بالعبء الأكبر في الإصلاح وتضارب الأهداف بين الشمال المتقدم والجنوب الفقير، تسبب في فشل الاستراتيجيات البيئية، و لابد أن يتم تناول المشاكل الصحية، ومشاكل الغذاء، والماء مع مشاكل البيئة في حزمة أستراتيجيات وسياسات واحدة حتي تتناسق السياسات قصيرة المدى مع الأهداف عىي المستوى البعيد.

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: