وجهات نظر

د.أحمد توفيق: حلول مبتكرة لمواجهة التغيرات المناخية

الخبير البيئي ومستشار التطوير المؤسسي

بدأت الثورات الصناعية بعدما طور جيمس واط محركات الطاقة البخارية، وأنتج تحويل الوقود الأحفوري إلى طاقة ميكانيكية ابتكارات عديدة، مثل المصانع وتوفير الكهرباء ومحركات الاحتراق الداخلي وغيرها.

لكن تحويل الوقود الأحفوري إلى طاقة تسبب في إطلاق نواتج ثانوية مثل الغازات الدفيئة التي تسهم في احتجاز حرارة الشمس في الغلاف الجوي للأرض.

وعلى الرغم من أن تلك الغازات موجودة طبيعيا في نظامنا البيئي، إلا أن تضخم كمياتها تسبب في ارتفاع درجات حرارة الجو، وما يزيد خطورة الأمر أن هذه الغازات تتراكم بمرور الوقت.

ومن أشهر الغازات الدفيئة غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي ينتج عن حرق الوقود الأحفوري، فتمتص النباتات والأشجار 25 %منه، وتمتص المحيطات 30 %، ولكن يتبقى 45 % منتشرا في الغلاف الجوي لآلاف الأعوام

يجرى العلماء قياسات وحسابات تركيز ثاني أكسيد الكربون في هواء الأرض بوحدة الجزء في المليون، فوجدوا أن تركيزه يتراوح على مدار 650 ألف عام التي سبقت الثورة الصناعية الأولى من 180 إلى 300 جزء في المليون.

إلا أن الثورات الصناعية المتتالية أدت إلى ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتراكمه في الغلاف الجوي، فارتفع تركيزه من 285 جزء في المليون في العام 1850 إلى 414 جزء في المليون في شهر أبريل 2020 ،ما أدى إلى ارتفاع درجة الحرارة العالمية بقيمة درجة مئوية واحدة.

بالمقارنة مع العام 1850 تظهر تأثيرات كارثية على العالم ، بسبب ارتفاع درجة الحرارة، ويشمل ذلك الطقس المتطرف، وتتراجع الإمدادات الغذائية، وارتفاع مستوى سطح البحر

وقدرت الخسائر التي نتجت عن كوارث طبيعية خلال العقد الماضي فحسب بنحو 3 تريليونات دولار.

ولا يقتصر تأثير تزايد مستويات ثاني أكسيد الكربون على ارتفاع درجات الحرارة فحسب، بل يتسبب ذلك أيضا بارتفاع درجة حموضة مياه المحيطات، ويضاف إلى هذا قائمة أطول من التأثيرات السلبية المخيفة.

وأفاد فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بالتغير المناخي، أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إن لم تنخفض بنسبة 45 % بحلول عام 2030 مقارنة بانبعاثات العام 2010، فلن نتمكن من تجنب العواقب التي ستؤثر على حياة البشر

المصادر التي تنتج الغازات الدفيئة والمسؤولة عن التغير المناخي، تطلق ً أيضا ً ملوثات الهواء التي تؤثر سلبيا على صحة الإنسان، .ومنها أكاسيد النيتروجين وأول أكسيد الكربون

وتمثل المركبات ومحطات توليد الكهرباء وأنظمة تدفئة البنايات والزراعة وحرق النفايات أسباب رئيسية لتلوث الهواء الذي يؤدي إلى حدوث 2.4ً ملايين حالة وفاة سنويا على مستوى العالم.

ولتنفيذ اتفاقية باريس، يطلب من الدول تقديم خطط تنفيذية مناخية، تسمى المساهمات المحددة وطنيا.

وتستعد الدول حاليا لتقديم الجولة الثانية من المساهمات المحددة وطنيا للعام 2020، ولهذا عليها الاستفادة من انخفاض التكاليف، وتوفر حزم التحفيز الاقتصادي المرتبطة بكوفيد-19 ًفرصا لتقديم التزامات أشد مما كان مخططا له سابقا.

كما أبرزت جائحة كوفيد-19 أيضا قيمة البيانات في التعامل مع الأزمات، إذ ساعدت ٍ البيانات الدقيقة الدول على استخدام موارد الرعاية الصحية بصورة مناسبة، وساعدت تطبيقات تتبع الاتصالات في الحد من تفشي الفيروس.

والفرصة سانحة اليوم للحصول على بيانات أدق في إطار الجهود المبذولة لمواجهة التغير المناخي، ومنها البيانات التي تميز بين الغازات الدفيئة بشرية المنشأ ً والغازات الدفيئة الطبيعية.

ويمكن أيضا ضخ استثمارات إضافية لإطلاق أقمار اصطناعية تحمل حساسات لجمع هذه البيانات، مما يساعد الدول على تحديد مصادر الانبعاثات والتحقق من تنفيذها لإجراءات خفضها بدقة أعلى، لهذا بالإضافة إلى تقليل الانبعاثات، نحتاج إلى البدء في التخلص من الغازات الدفيئة التي تراكمت على مدار القرنين الماضين.

ويمثل التشجير ًأحد وسائل التخلص من ثاني أكسيد الكربون، ويمكن أيضا زيادة النسبة التي تمتصها المحيطات، لكن ذلك قد يؤدي إلى عواقب غير مرغوبة مثل زيادة درجة حموضة المحيطات، والتأثير على الحياة البحرية.

ويتطلب الحياد المناخي تقليل الانبعاثات من ناحية، وفي نفس الوقت إزالة الكربون من الغلاف الجوي من ناحية أخرى، وتكمن الفكرة في أننا إذا قللنا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغازات الاحتباس الحراري الأخرى إلى أقرب مستوى ممكن من الصفر، فقد وصلنا إلى الحياد المناخي.

وفي الواقع، تم طرح العديد من الاقتراحات حول كيفية القيام بذلك؛ كزراعة الأشجار على نطاق واسع ،واستخدام أجهزة التقاط الهواء المباشر عالية التقنية التي تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء.

وبالتالي يمكن بمنتصف القرن الحالي الوصول إلى صافي الصفر، وهي النقطة التي يتم فيها موازنة الانبعاثات المتبقية للغازات الدفيئة بتقنيات إزالتها من الغلاف الجوي.

وهناك حاجة إلى حلول طبيعية وتكنولوجية تعمل كأحواض الكربون، حيث ستعمل هذه الأحواض على مساعدتنا لامتصاص الكربون من الغلاف الجوي؛ لأن بعض الانبعاثات سيكون من الصعب أو المستحيل تجنبها تماماً، أحواض الكربون الطبيعية الرئيسية هي النباتات والتربة والمحيطات.

لكن العديد منها تفتقد بالفعل قدرتها على تخزين الكربون بسبب الأنشطة البشرية؛ ما يجعلها مصادر للانبعاثات بدلاً من ذلك، وللوصول إلى الحياد المناخي، يجب علينا حمايتها وتعزيزها.

والتخلص من ثاني أكسيد الكربون أحد أسلوبين رئيسين للهندسة الجيولوجية المقترحة لمكافحة التغير المناخي، والاقتراح الآخر هو تقليل كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض بحقن الغلاف الجوي العلوي بجزيئات الكبريتات أو حقن الغلاف الجوي السفلي بأملاح البحر لزيادة درجة لمعان الغيوم كيً تعكس ضوء الشمس بعيدا عن الأرض.

لكن المشكلة أن حلول الهندسة ًالجيولوجية هذه رفضت بسبب الصعوبات المرتبطة بها، إذ نحتاج مثلا إلى زراعة أكثر من مليار شجرة لمواجهة المستوى الحالي من الانبعاثات.

ويمثل استخدام منشآت احتجاز الكربون على نطاق واسع وسيلة واعدة وغير تقليدية للتخلص من ثاني أكسيد الكربون.

وكانت تقنيات احتجاز الكربون، وعزله موجودة منذ عقود، ومهمتها أن تلتقط ثاني أكسيد الكربون المنبعث من المصادر الصناعية لتدفنه تحت الأرض،لكن الشركات نجحت مؤخرا في التقاط ثاني أكسيد الكربون بصورة أكثر فعالية من الهواء مباشرة بغض النظر عن موقعه، لكن هذه الطريقة ما زالت في مراحل تطويرها الأولى، وتعمل شركات ناشئة عديدة في جميع أنحاء العالم على تطويرها، فمثلا، تعمل شركة كربون إنجنيرينج التي يدعمها بيل جيتس على إنشاء أول منشأة تجارية متكاملة لالتقاط مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا.

ويتوقع اكتماله بحلول العام 2023، وتؤدي كل منشأة وظيفة 40 مليون شجرة. ويمكن دمج ثاني ٍأكسيد الكربون بعد التقاطه مع الهيدروجين لإنتاج وقود ٍخال من الكربون مناسب للمحركات المستخدمة حاليا.

د . احمد توفيق

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: